هل المحاصصة هي الحل السحري لمشاكل التهميش؟ / محمد الأمين ولد الفاظل

أربعاء, 13/05/2026 - 10:06

لا أظن أن هناك رئيسا من الرؤساء الذين عشتُ فترة حكمهم بوعي وإدراك، اهتم بالفئات الهشة كما اهتم بها الرئيس الحالي، وفي اعتقادي أنه يمكننا أن ننتقد النظام القائم ـ صدقا أو كذبا ـ في مجالات عديدة، ولكن من الصعب جدا أن ننتقده بموضوعية لعدم اهتمامه بالفئات الهشة.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يستحق أن نطرحه في أيام الناس هذه: لماذا تصاعدت الانتقادات لهذا النظام، ممن يرفع شعارات الدفاع عن الفئات الهشة، بحجة أن النظام لم يهتم بتلك الفئات؟
إن أسباب ذلك متداخلة، فبعضها يتحمله النظام، وبعضها الآخر يتحمله المتاجرون بقضايا الفئات الهشة، وفي المجمل فإن هذه الأسباب يمكن أن نتلمسها في النقاط التالية:

1 ـ الإنجاز لا يصبح إنجازا إلا إذا شعر به المستهدف
إن أي إنجاز، مهما كان حجمه، سيبقى ناقصا إذا لم يشعر به المواطن المستهدف. وفي هذه النقطة، فإن أكثر من يستحق النقد هو الأذرع السياسية والإعلامية للنظام، لأنها فشلت ـ وخاصة المؤسسات الإعلامية الرسمية التي تُنفق عليها ميزانيات ضخمة ـ في تسويق ما تحقق لصالح الفئات الهشة خلال السنوات الأخيرة، وفشلت كذلك في تحويل المنجز إلى شعور إيجابي لدى المستفيدين.

2ـ ضعف أداء بعض المؤسسات المعنية بالفئات الهشة
هناك مؤسسات حُظيت في هذا العهد بدعم مالي ومعنوي كبير، مثل "تآزر"، ورغم ما حققت تآزر من نتائج ملموسة، فقد بقي أداؤها في المجمل بعيدا عن حجم الأموال التي صُرفت عليها، والآمال التي عُلِّقت عليها. فالفارق ما زال كبيرا بين الإمكانات الهائلة المتاحة لتأزر ولغيرها من المؤسسات المعنية بالفئات الهشة، وحجم الأثر الملموس في حياة المواطنين المستهدفين.

3ـ اختلال الأداء في بعض القطاعات الخدمية والإنتاجية المرتبطة بشكل مباشر بحياة الفئات الهشة، والتي كان يفترض أن يخضع القائمون عليها لرقابة صارمة ومحاسبة قاسية، لأن أي فساد أو تقصير فيها سيدفع ثمنه الفقراء بشكل مباشر. فالموظف الذي يفسد أو يهمل عمله في قطاع خدمي حساس يجب أن يُحاسب حسابا عسيرا، حتى يكون عبرة لغيره، وحتى يشعر المواطن الفقير بأن الدولة لا تجامل من يتهاون في خدمته.

4  ـ المتاجرة بمعاناة الفئات الهشة
هناك بالفعل أصوات تريد نصيبا من موارد الدولة بوجه حق أو بغير حق، على حساب المهمشين، وهي لا تتردد في المتاجرة بقضايا المهمشين للحصول على نصيب من تلك الموارد. هذه الأصوات تحاول إقناع الرأي العام الوطني بأن التهميش سببه غياب أفراد من مكونات أو قبائل أو جهات معينة عن المناصب، مع أن التجربة أثبتت أن تعيين أشخاص باسم القبيلة أو الجهة أو الشريحة لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع تلك القبيلة أو الجهة أو الشريحة.
فعندما يُعيَّن شخص باسم قبيلته، فإن المستفيد الحقيقي يكون أسرته الضيقة فقط، بل إن بعضهم قد يعمل على إقصاء أبناء قبيلته الآخرين، حتى لا ينافسوه لاحقا في الامتيازات التي تمنحها الدولة. ويمكن أن نقول هذا الكلام عن الذي يُعين باسم شريحته، أو مكونته، أو جهته، وهناك أمثلة عديدة تبيّن بشكل واضح جدا، أن التعيين على أساس القبيلة أو الشريحة لا يفيد القبيلة ولا الشريحة، وهي أمثلة حاضرة في ذهني الآن، ولكن المقام لا يسمح بذكرها.
سأكتفي على السريع بذكر أمثلة تتعلق بانعكاس الوظائف على المناطق والجهات، فمثلا ولاية إنشيري هي الولاية الوحيدة في بلادنا، التي ينتسب إليها رئيسان حكما البلد، هذا بالإضافة إلى كونها ولاية معدنية، ومع ذلك فحالها اليوم لا يمكن أن تحسدها عليه ولاية أخرى، وولاية الحوض الشرقي احتكرت الوزارة الأولى لما يقارب ربع قرن، فهل انعكس ذلك إيجابيا على واقع الولاية أو على ساكنتها؟ ألا تعدُّ مدينة تجكجة من المدن الأكثر أطرا في البلاد، أوَ ليست كذلك هي المدينة الأكثر فقرا والأكثر عزلة في البلاد؟
لو خُيِّرتُ شخصيا، بين حكومة من الموظفين الأكفاء والمستقيمين، لا تربطني بهم أي صلة قبلية أو جهوية أو عرقية، وحكومة من الفاسدين ينتمون إلى قبيلتي أو جهتي، لاخترت الأولى دون تردد. فالموظف الكفء والمستقيم سيصل نفعه إلى الجميع، أما الموظف الفاسد أو غير الكفء فإن ضرره سيعم الجميع، بمن في ذلك أبناء قبيلته أو مكونته.
ما الذي تحتاجه الفئات الهشة فعلا؟

إذا كنا جادين فعلا في السعي إلى تحسين أوضاع الفئات الهشة، فإن التركيز يجب أن يكون المطالبة بتمييز إيجابي لصالح بعض القطاعات الخدمية والانتاجية التي ترتبط بها أرزاق تلك الفئات الهشة، أكثر من المطالبة بتمييز إيجابي في التوظيف لأبناء تلك الفئات، فالتمييز الإيجابي في الوظائف ـ وأنا لستُ ضده ـ سيبقى ضعيف الأثر، ذلك أن وظائف الدولة محدودة أصلا، ثم إن الرواتب التي تمنحها الدولة متدنية في مجملها، ولن تُحَسّن من حال المستفيد منها، اللهم إلا إذا كان عازما على النهب والفساد، وتلك قصة أخرى.
فإذا كنا جادين فعلا في تحسين أوضاع الفئات الهشة، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر المحاصصة وتقاسم المناصب، وإنما عبر سياسات عمومية ذكية وعادلة، تستهدف القطاعات التي تستوعب أكبر عدد من الفقراء والمهمشّين، ومن أبرز تلك السياسات:

1 ـ الاستثمار المكثف في التعليم النوعي
وذلك من خلال المسارعة في وتيرة تطوير المدرسة الجمهورية، وتحسين جودة التعليم العمومي، وتوسيع برامج الكفالات والمنح والإطعام المدرسي في المناطق الأكثر هشاشة، لأن التعليم الجيد سيبقى هو الوسيلة الأكثر عدالة وفعالية لكسر دائرة الفقر والتهميش.
2 ـ المزيد من الاهتمام بالتكوين المهني وربطه بسوق العمل
إن الكثير من أبناء الفئات الهشة يغادرون المدرسة مبكرا، وهؤلاء يحتاجون إلى مراكز تكوين مهني حقيقية تمنحهم مهارات مطلوبة في سوق العمل، بدل تركهم ضحية للبطالة والجريمة.
3 ـ إصلاح عقاري عادل ومنتج
ويكون ذلك بتمكين المواطنين الفقراء من النفاذ إلى الأرض، ومنح الأراضي لمن يستغلها فعليا، مع تشجيع الزراعة المطرية والريفية، لأن الأرض المنتجة يمكن أن تتحول إلى مصدر استقرار اقتصادي واجتماعي دائم.
4 ـ دعم التعاونيات والاقتصاد الريفي
دعم التعاونيات النسوية والشبابية، عبر التمويل والتأطير وتسويق المنتجات، حتى تنتقل إلى أدوات إنتاج حقيقية توفر دخلا مستقرا للأسر الهشة.
5 ـ حماية القطاع غير المصنف وتطويره
تعيش آلاف الأسر من المهن الصغيرة والهشة، مثل الباعة الصغار، والحرفيين، والعاملين في الخدمات البسيطة. وهؤلاء يحتاجون إلى برامج تمويل صغيرة، وتأمين صحي، وتسهيلات مهنية، حتى لا يصبحوا خارج الدورة الاقتصادية، بفعل منافسة المهاجرين، والتطور الحاصل في تلك المهن.
6 ـ تحسين الخدمات الأساسية في الأحياء والقرى الهشة
إن الفئات الهشة لا تحتاج فقط إلى الوظائف، بل تحتاج أيضا إلى مدارس جيدة، ومراكز صحية فعالة، ومياه، وكهرباء، وطرقات، ونقل عمومي. فغياب هذه الخدمات هو أحد أخطر أشكال التهميش.
7 ـ تغيير العقليات وترسيخ ثقافة العمل والكفاءة
لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض إذا ترسخت فيه عقلية انتظار الدولة أو البحث عن الامتيازات على أساس الانتماء. المطلوب هو إطلاق حملات توعوية واسعة لترسيخ ثقافة العمل والإنتاج والاعتماد على الذات، وربط النجاح الشخصي بالكفاءة والجدارة لا بالقبيلة أو الشريحة أو الجهة.
8 ـ المحاربة الجادة للفساد، وهذه أهم من كل ما سبقها
إن الفساد هو العدو الأول للفئات الهشة، وهذا ما يتجاهله الكثيرون ممن نصبوا أنفسهم متحدثين باسم الفئات الهشة، فكل مبلغ يُنهب من المال العام، وكل مشروع يُنفذ بطريقة فاسدة، وكل توظيف يتم بالمحسوبية، إنما يُقتطع في النهاية من حق الفقير في التعليم والصحة والماء والكهرباء والعمل ولهذا، فإن أي حديث عن إنصاف الفئات الهشة لن يكون جادا إذا لم يترافق مع حرب حقيقية وصارمة على الفساد.
ختاما: إن إنصاف الفئات الهشة لا يتحقق بالشعارات، ولا بالمتاجرة السياسية، ولا بتوزيع المناصب على أساس الانتماءات، وإنما يتحقق ببناء دولة عادلة، تحارب الفساد بجد، وتولي الاهتمام بالكفاءات، وتمنح فرصا متساوية في التعليم والصحة والتشغيل لجميع أبنائها.
حفظ الله موريتانيا..

محمد الأمين الفاضل
[email protected]

تصفح أيضا...