
ستة عقود ونيف مرت من عمر الدولة الموريتانية ، ولم تخل أي منها من رفع شعارات " حقوقية " تسوق لمظلومية تاريخية أو تنموية أو عرقية .
لكن في المحصلة النهائية لم تقدم هذه الحركات (باستثناء شخصيات قليلة) أي إسهام في تلك القضايا بالقدر الذي قدمه وعي الشعب الموريتاني الذي ظل عصيا على دعاة التفرقة ومتماسكا في وجه المتاجرة السياسية بقضاياه .
والأهم من كل ذلك أن ذات الشعب كان واعيا بقضايا التهميش والحرمان كقضايا وطنية لا مجال لاستغلالها أو اختزالها في حيز عرقي او فئوي .
لكن الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني أحدث نقلة تاريخية في هذا النضال حين جسد إرادة الشعب الموريتاني ونضالاته في سياسات تنموية رسمية .
ولهذا، فقبل أن يبدأ البعض اليوم في الحديث عن توفير “الحماية الدولية ” كان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قد سبق الجميع إلى الحماية الوطنية حماية الناس داخل وطنهم، عبر بناء منظومة حماية اجتماعية واسعة تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، وتعيد إدماجها في المجال الوطني اقتصادياً وتعليمياً وصحياً.
لقد فهم غزواني مبكراً أن هناك أولويات تجسد تتويجا لإرادة الشعب الموريتاني نفسه، ولذلك لم يتجه إلى سياسة المماطلة والشعارات ، بل شرع فورا في صناعة بنية الإنصاف والعدالة الاجتماعية .
ومن هنا جاءت تجربة “تآزر”، ليس كمؤسسة اجتماعية، بل كتحول سياسي عميق في نظرة الدولة إلى الفئات الهشة. لأول مرة تصبح التحويلات النقدية المنتظمة سياسة عمومية ثابتة، تصل مباشرة إلى الأسر الفقيرة، وتمنحها الحد الأدنى من الحماية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.
ولأول مرة يصبح “السجل الاجتماعي” أداة وطنية دقيقة لتحديد الفئات الأكثر هشاشة، بما يسمح بتوجيه الدعم إليها بصورة مباشرة وعادلة، بعيداً عن العشوائية والمحسوبية.
هذه ليست شعارات عن “العدالة الاجتماعية”، بل هندسة فعلية لها.
ولأول مرة توفر الحماية الصحية ، عبر برامج التأمين الصحي للفئات الهشة ، فكان إدماج آلاف الأسر الهشة في منظومات التكفل الصحي جزءاً من فلسفة جديدة ترى أن الكرامة تبدأ من الحق في العلاج.
وفي التعليم، لم يكتف الرئيس غزواني بالكلام عن تكافؤ الفرص، بل اتجه إلى أبعد من ذلك حيث اعتمد سياسة التمييز الإيجابي نفسه لصالح أبناء الفئات المحرومة، في مدارس الامتياز والمنح الجامعية .
وهنا تحديداً تظهر الفكرة الجوهرية في مشروع غزواني: ليس المطلوب فقط مساعدة المهمشين على البقاء، بل مساعدتهم على الصعود.
أما برامج العمل الاجتماعي، وما رافقها من دعم للفئات الأكثر هشاشة، من نساء معيلات وذوي إعاقة وأطفال في وضعيات صعبة، فقد شكلت امتداداً لنفس الرؤية: دولة تتدخل حيث يوجد الضعف، لا حيث توجد الكاميرات فقط.
وحين ضربت الأزمات الاقتصادية العالم، كانت “دكاكين أمل” جزءاً من شبكة الحماية الوطنية، التي هدفت إلى إبقاء المواد الأساسية في متناول الفئات الضعيفة، خصوصاً في المناطق الداخلية والأحياء الشعبية.
ثم جاء “البرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الأساسية للتنمية المحلية”، كأكبر اعتراف سياسي وتنموي بأن هناك مناطق ظلت لعقود خارج دائرة التنمية، وأن العدالة لا تتحقق بالوعود ، بل بالماء والكهرباء والمدرسة والمركز الصحي والطريق.
هنا بالضبط تتجلى المفارقة.
فبينما ينشغل البعض بإعادة إنتاج خطاب المظلومية، كان غزواني يعمل على إعادة توزيع الحماية نفسها.
وبينما يتحدث آخرون عن “إنقاذ” المهمشين ، كان غزواني منشغلا في بناء منظومة فعلية ، ليس لعونهم وإنما لحمايتهم وإخراجهم من واقع البؤس .
لقد سبقكم غزواني إلى الفكرة الجوهرية
أن حماية المهمشين لا تكون عبر تحويلهم إلى مادة للمتاجرة السياسية والنفعية ، بل عبر تحويلهم إلى أولوية في السياسات العمومية.
ولهذا، فإن أخطر ما يواجه المتاجرين بالشعارات اليوم ليس الردود السياسية، وإنما الواقع نفسه.
واقع يقول إن الدولة الموريتانية، في عهد محمد ولد الشيخ الغزواني، بدأت منذ 2019 في بناء نموذج حماية اجتماعية غير مسبوق في تاريخها ولا تاريخ المنطقة برمتها ، موجه أساساً نحو أولئك الذين ظلوا طويلاً خارج دائرة الاهتمام.
لقد سبقكم بها غزواني
سبقهم إلى الحماية، وإلى الإنصاف، وإلى إدخال المهمشين إلى قلب الحظوة التنموية بدل استغلالهم على هامش الخطابات.
وفي الختام ، أذكر "المؤلفة جيوبهم" بأن ذاكرة الشعب الموريتاني تحتفظ بكل الأسماء والسجلات وتدرك الفرق بين الحمية الوطنية و سعار " النافظين" .
محمد افو

