
في ظل التحديات المتسارعة التي تفرضها أزمة الطاقة العالمية، تُسجَّل بإيجابية مبادرة فخامة رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، بعقد اجتماع مع ممثلي عدد من القوى السياسية، في خطوة تعكس إدراكًا عميقًا لحجم المرحلة وحرصًا على إشراك مختلف الفاعلين في بلورة رؤية وطنية موحّدة. كما أن الدعوة إلى تعبئة مجتمعية شاملة لمواجهة تداعيات هذه الأزمة تمثل توجهًا مسؤولًا يستحق الإشادة والدعم.
غير أن ما لم يُقل صراحة، وتفرضه الواقعية بإلحاح، هو أن الموارد الخارجية التي اعتادت البلاد الاستفادة منها، خاصة في شكل دعم أو “هبات” من بعض دول الخليج، مرشحة للتراجع إن لم تتوقف. ويأتي ذلك في ظل انشغال تلك الدول بإعادة إعمار ما خلّفته الحروب الدائرة، إلى جانب التزاماتها المالية المتزايدة، بما في ذلك ما درجت عليه من تحمّل أعباء دعم حلفائها في سياقات إقليمية معقدة.
ورغم أهمية الإجراءات المعلنة، فإنها تظل غير مكتملة ما لم تُستكمل بإصلاحات جوهرية، في مقدمتها القضاء على مظاهر الاحتكار والزبونية، وضمان منافسة نزيهة في سوق المحروقات، بل وفي قطاعات أخرى كالإسمنت وغيرها. كما أن محاربة الفساد بشكل صارم، دون تردد أو انتقائية، تظل شرطًا أساسيًا لاستعادة الثقة وتعزيز النجاعة الاقتصادية.
وعلى المدى القريب والمتوسط، تبرز الحاجة الملحّة إلى وضع خطة عملية للاستفادة من الموارد الوطنية، خصوصًا الغاز الطبيعي، وتوجيهه نحو الاستهلاك المحلي، مع تطوير البنية التحتية اللازمة لذلك. ومن شأن هذه الخطوة أن تخفف من التبعية للخارج وتعزز السيادة الطاقوية للبلاد.
ولتعزيز مصداقية الخطاب الرسمي لدى الرأي العام، يبدو من الضروري أن يبدأ تقليص الإنفاق العمومي من أعلى هرم الدولة، عبر إجراءات ملموسة وواضحة، من بينها خفض رواتب رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، والوزراء، وكبار المسؤولين في المؤسسات العمومية، مثل المديرين العامين ورؤساء مجالس الإدارات. كما ينبغي أن تشمل هذه التدابير إعادة هيكلة أو إلغاء عدد من المؤسسات التي لا تضطلع بأدوار فعلية أو يتداخل اختصاصها مع غيرها، مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وبعض المجالس الجهوية ذات الطابع الاستشاري، فضلًا عن عدد من الهيئات واللجان التي تُنشأ دون أثر ملموس على السياسات العمومية. ويُضاف إلى ذلك ترشيد البعثات الرسمية إلى الخارج، ومراجعة شبكة التمثيل الدبلوماسي بما يضمن النجاعة وتقليل الكلفة.
إن المرحلة الراهنة تقتضي قدرًا أكبر من الصراحة والجرأة في اتخاذ القرار، كما تتطلب عدالة في توزيع الأعباء. فمواجهة أزمة بهذا الحجم لا يمكن أن تنجح إلا بتضافر الجهود، وإرساء نموذج جديد في الحكامة يقوم على الشفافية والإنصاف، ويعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
سيدي محمد ولد الطلبة
صحفي إسباني مقيم في إسبانيا

