البوصلة الضائعة / جدو ولد خطري 

ثلاثاء, 27/01/2026 - 19:09

 

في زمنٍ تضاعفت فيه الاتجاهات، واختلطت البوصلة بأشباح الشاشات، صرنا نبحث عن الشمال بين إبرٍ لا تهدي، ومغناطيسٍ مشوَّش. لقد فقدنا البوصلة التي كانت تُخرجنا من متاهة الظلام إلى أفق النجاة.

لكنَّ الضيَّة الأعمق ليست في الأرض، بل في النفس. لقد ضاعت بوصلة القِيَم التي كانت تحدِّد مسارنا الأخلاقي، وتُعينُ لنا وجهتنا الإنسانية. وأصبحنا نرى - نتيجة لهذا الضياع - ظاهرةَ "الألقاب الجوفاء" تنتشر كالنبات الغريب في أرضنا الخُلقية.

يُطلَق اللقب ،حاملًا هيبةَ الاسم وجلال المعنى على من لا يحمل من جوهره شيئًا ،فهو كحرف العلة: ظاهرٌ في اللفظ، غائبٌ في المعنى، جوفاءُ لا حركة فيها. إنه "حامل العلم" الذي تتناقض حِكَمُهُ مع سلوكه، و "صاحب الاختصاص" الذي ينهار بناؤه الفكري عند أول اختبار عملي ، و الأستاذ الذي تتفوَّق شهاداتُه على إنسانيته.

 
و حامل اللقب الأخلاقي الذي يهتف بالفضيلة من فوق المنصة، ثم ينسى صوت خطواته عندما ينزل عنها. يتحول اللقب من وسام شرف إلى قناع فارغ، يصبح الصوت أعلى من الصدى، والمظهرُ أخفى من المخبر.

هذه الألقاب ليست سوى بوصلة مغناطيسية معطوبة تشير إلى شمال وهمي ،إنها تخلق خرائطَ زائفة للقيمة، تجعل المجتمع يبجل الاتجاه الخطأ. حينها، يضيع المعنى الحقيقي للفضل، ويتلاشى أثر القدوة، وتُغرق السفنُ - على الرغم من جمال أسمائها - في بحر من النفاق والانفصام.

فهل نعود إلى بوصلة القلب السويَّة، التي لا تنخدع بالرنين الجوفاء للألقاب، بل تتوجه دائمًا نحو شمال المصداقية؟ شِمالِ الفعل قبل القول، والجوهر قبل المظهر، والإخلاص قبل الزخرف.
إن إصلاح بوصلة المجتمع يبدأ من تعديل ميلان النفس أولاً، ومن ثم نستطيع أن نميز حقًا  بين من يحمل لقبًا على جبينه، ومن يحمل قيمًا في أعماقه ،فقط حينئذٍ نجد البوصلة الضائعة.

تصفح أيضا...