
في فجر الشتاء الباكر، في منطقة آوكار، يستيقظ سهل طويل ممتد بين كثبان الرمال، يُعرف بـ«تيارت إِودِيشن»، على ضوء خجول يتسلل بين أشجار الطلح المتناثرة، والصقيع يكسو الرمال بلون الفضة، والريح الباردة — «گتمه» — تهمس في الأغصان العارية. صمت واسع لا يقطعه إلا وقع خطوات ثقيلة قادمة من بعيد.
من الأفق يظهر خيط أسود متعرج: إنها «مگطر أمرسالة»، قافلة تحمل ملح الحيوان " أمرسال "، قادمة من قلب الباطن بعد رحلة شاقة عبر أصعب الممرات (لمهاد، لحفر…). والجمال مصطفة كعقد منظوم: الأكبر سنّاً في المقدمة «راص المَگطر» — وهو جمل «شالخ النّابْ» — يحمل ثقله بوقار (شَگَيْن، مثنى شگ، وجمعها شگوگ؛ ترافاطين، مثنى ترافاط، وجمعها ترافطن، وأعلاي)، يليه من هو أصغر، حتى الصغار «آصْفار» — جمع أَصْفَري — في المؤخرة بأحمال أخف (شَگَيْن فقط من دون ترافطن وأعلاي). كل جمل مشدود بـ«أَغابه» — غالباً ما تكون من تَبْنَنّ — في فمه إلى ذيل الذي أمامه، ويسير الجميع في انضباط عجيب. وفي المقدمة «گواد المَگطر»، رجل مسنّ طيب الملامح، وقور، رحيم بإبله، يغذيها من كفه، ويخفف عنها الأحمال، ويحسن إليها، فتشعر بأمانه وتطيعه في الوعر والرمال. ومعه عمال موزعون على طول القافلة، كل واحد منهم قريب من إبله، يشد الحبل إذا ارتخى، ويسند الحمل «الشگوگ» إذا مال، ويطمئن على «آصْفار» في المؤخرة.
عند مدخل «التيارت» السهل، كان الرجل قد ترك بعض أغراضه عند صديق له، راعٍ خبير بالإبل، يمتلك إبلاً، عنده منها قطيع يُسمى «أسركيم». ترك عنده حمارين: أحدهما «أَكيْدار»، مسنّ، مطيع، مريح الركوب، من قطيع «آگْرور» تلاد، والآخر «آزْغر» أصغر سنّاً. وصاحب «أسركيم» رجل عجيب في معرفته بالإبل؛ يعرف نسبها وأثرها، ويميزها من طعم حليبها، حتى قيل إنه من فرط علمه بها يكاد يفهم كلامها.
انطلق صاحب المَگطر مع صديقه الخبير، وهو يركب «أَكيْدار» ويقود القافلة من فوقه. وفي مرحلة من الطريق أوقف الحمار، ووضع خزامة جمل «راص المَگطر» على الحمار، ومضى لقضاء شأن، ظاناً أن القافلة ستتبع الحمار الوديع. لكن ما كاد يبتعد حتى توقف الجمل الكبير، وتوقفت القافلة كلها، واضطربت الأحمال، وسقط بعضها. أسرع العمال الموزعون على طول القافلة يثبتون الأحمال ويهدئون الجمال، وأسرع الرجل عائداً، وأعانه الخبير، حتى استتب الأمر، فأخذ بخزامة الجمل وركب حماره، فتبعت القافلة.
ثم تكرر المشهد تحت شجرة حيث كان بعض الرحّالة يحتسون الشاي. نزل الرجل وترك الخزامة مع الحمار مرة أخرى، فما لبثت القافلة أن توقفت وسقط بعض الأحمال. عاد مسرعاً وأعاد ترتيبها مع عماله، وهذه المرة جلس إلى الخبير، وقد بدا الإعياء على وجهه، وسأله: كيف تطيعني في أصعب المناطق (طلوع ومگظ لمهاد، وتحوشي لحفر…)، وأنا أطعمها وأحسن إليها، ثم تتوقف في هذه «التيارت» السهلة كأنها تفعل ذلك عن قصد؟
نظر الخبير إلى الجمل طويلاً كأنه يحدثه، وأخذ «گبظة من الشم» من «گصبه فيدو» (كيس تبغه)، ثم قال: هذه إبل كريمة أصيلة، تعرف الود وتعترف بفضل من يحسن إليها. نعم، تطيعك، لكنها إنما تطيعك أنت وحدك ما دمت أنت الذي يقودها. أما أن تترك خزامة القيادة على ظهر «أَكيْدار» وتنزل، فإنها لا تتحمل أن يكون أمامها حمار يقودها.
قال صاحب المَگطر: لكنها تتبعه وأنا راكب.
قال الخبير: نعم، لأنك أنت راكب عليه، فهي تحترمه كوسيلة تستخدمها أنت. أما أن تنزل وتتركها وحدها معه، فذاك أمر آخر. هي لا تريد أن يقودها حمار، حتى ولو كان من أحب حميرك إليك. إنما تتبعك أنت، أما الحمار مهما كان مطيعاً فذاك أمر آخر.
سكت الرجل برهة، متمعناً في كلام الخبير. وفي أثناء ذلك، اقترب الحمار الأصغر «آزْغر» منهما، فدنا من الرجل ومن حماره المفضّل، كأنه يستطلع الأمر أو يطلب نصيباً من الاهتمام. فأخذ الرجل عصاً كانت قريبة منه، وأشار بها نحوه، وقال: «ما دامت القافلة لم تُطِع حماري المفضّل، فليس لك من الأمر شيء». فتراجع مذعوراً، ووقف بعيداً كأنه فهم ما قيل.
ثم نظر الرجل إلى قافلته الممتدة خلفه، وإلى الجمل الكبير الذي كان ينظر إليه كأنه ينتظر أمراً. فنهض، وأخذ الخزامة بيده، وركب حماره، وانطلقت القافلة خلفه في هدوء ووقار، تخترق «التيارت» تحت شمس تميل نحو الغروب، تاركة ظلالاً طويلة على الرمال، وأشجار الطلح تلوح كأنها تودّعهم. وسكت الرجل طويلاً، والجمل الكبير يمشي خلفه، لا يرفع عنه طرفه.
وفي سكوت الرجل، ووقار الجمل الذي يمشي خلفه، تتكشف الحكاية: ليست حديثاً عن قافلة وحمار، بل عن القيادة. فالجمال — والناس كذلك — تطيع قائدها لحضوره وكفاءته، لا لخزامته؛ وحين غاب وفوّض أمرها لكيدار احمير ، توقفت القافلة وسقط الحمل. ومشهد «آزْغر» يذكّر أن الأمر لا يُعطى لمن لا كفاءة له ولو كان قريباً؛ فالقيادة حضورٌ وكفاءة لا غيابٌ وتفويض، ومن تركها لحمار — ولو كان وديعاً — فلا يلومنّ إلا نفسه إذا سقط الحمل.

