محمد لحبيب ولد معزوز يكتب : مشاهد ومواقف من السينغال تثير العجب

جمعة, 30/01/2026 - 09:58

تمهيد:

 

السينغال المجاورة رغم قربها تخفي أسرارا وحكايات سلوكية مجهولة لدى الكثير منا.

إنها بلد زاخر بالحياة الاجتماعية المتنوعية الخصبة وقد يكون لحركة البشر عبر الحدود والقارات الأثر الأكبر في ذلك. ذلك بأن السينغاليين يعدون من بين أكثر الشعوب الإفريقية أسفارا وترحالا نتيجة للدينامكية الاجتماية التي يتميزون بها. منظومة تعليمية وتربوية راقية تتماشى مع الاحتياجات التنموية قائمة على التعلم والتعليم والخدمة الوطنية وتصدير الخبرة والمهارات، فشباب متجدد، واحتكاك متواصل بشعوب الأرض وسطوة شعبية جامحة، غير أنه شعب من أكثر الشعبوب الإفريقية تجاوبا مع الشحن الإعلامي.
قد يجد الباحث الاجتماعي والسياسي في هذه الحكايات والمشاهد ضالته المنشودة وقد يجد فيها عبرة، كما تعلمنا من نصوص الرحالة وأسفار المستكشفين عبر العصور والأزمان.
مواقف ذات مغزا ودلالة

 

 

الموقف الاول

 

 

في الأسبوع الأول من شهر أبريل 2010 حدثت اضطربات في جامعة انواكشوط إثر تصريح أدلى به وزير التعليم، آنذاك، تضمن إشارات إلى توجه جديد متجدد في مجال التعريب مما أثار سخط بعض الطلاب الجامعيين من ذوي التوجهات الفرنكفونية، فحدث تكسير وإحراق وضرب فأعمال شغب.
المفارقة العجيبة أنه في نفس الفترة خرجت في داكار وأمام القصر الرئاسي حشود شبابية سينغالية بالآلاف تهتف مطالبة بتعريب الإدارة السينغالية. كفى تبعية لفرنسا. نريد تعريب الإدارة. نريد تعريب التعليم.
"من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا" الكهف/ الآية 17.

 

 

الموقف الثاني

 

 

في العام 2011 وفي الجهة المجاورة للمطار شرقا، يوجد حي قديم يقال له داكار يوف به مقبرة قديمة. حدث وأن توفي شاب من سكان الحي من ذوي الميول الشاذة، أشباه ذكور وما هم بذكور وهم للبنات أشبه، مشيتهم تمايل في تمايل ومنطقهم منكر وفجور، غبر الوجوه مرد الوجوه يتسمون بالنوع الثالث على ملة قوم لوط عمت بهم البلوى في بلاد المسلمين. قام أهل الميت بتحضير جنازته كالعادة للدفن في مقبرة الحي المذكور، وما إن علم أهل الحي بذلك حتى ثارت ثائرتهم وتجمهورا عند باب المقبرة رافضين دفن سيئ الذكر بجوار موتاهم حتى لا يتأذوا من تعذيبه في قبره.
جاءت مفرزة من الدرك لتسهيل عملية الدفن فدفن المذكور فعلا ولكن على مضض، وفي الصباح علم أهله أن جثته ملقاة خارج المقبرة. أبلغ أهله الدرك الذي وصلت منه مفرزة عين المكان لتدفن الجثة ثانية وما إن أصبح صباح اليوم الثالث حتى كانت الجثة ملقاة خارج أسوار المقبرة مجددا. حينها قرر أهله دفنه في محيط دارهم لتطوى القصة دون أن تمحى من الذاكرة لمن لم يكن من أهل البلد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن  الله من عمل عمل قوم لوط".
وقال رسول الله صلى لله عليه وسلم: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه، الفاعل والمفعول به" واختلف الصحابة والفقهاء في طريقة القتل بين الرجم أو الإلقاء من شاهق (جدار عال أو بناية عالية) أو الحرق.

 

الموقف الثالث:

 

في العام 2012 خطرت لمستثمر سينغالي ناشط في مجال الفندقة والسياحة أن ينشئ ملهى ليليا (حانة ومرقص) في إحدى القرى الريفية المجاورة للعاصمة داكار. جاء الرجل بتجهيزات ومعداته إلى عين المكان المخصص لإقامة المشروع، وأخذ في تركيب المباني الجاهزة. علم السكان بذلك فتشاورا فيما بينهم لتنتهي النجوى بتوافق على إرسال مستفيضة إلى رجل الأعمال المذكور لإبلاغه بأن السكان لن يقبلوا بإقامة ملهى ليليا أو نهاريا بجوار قريتهم لما يترتب عن ذلك من إفساد شبابهم ذكورا وإناثا لأنه ببساطة مشروع رذيلة وفاحشة، لذا يرجى التراجع عن الفكرة. لم يلق الرجل بالا لمطلب السكان وعادوا من  حيث أتوا بخفي حنين، على أمل التفكير في حل بديل. كان عيد الأضحى المبارك على الأبواب فخطرت للرجل فكرة جديدة لكسر إرادة السكان ولي ذراعهم فاشترى أربعمائة كبش من الكباش السمان، بعدد بيوت القرية وأرسل لكل بيت كبشا هدية منه بمناسبة عيد الأضحى المبارك.
كان جواب أهل القرية صادما لرجل الأعمال، ذلك بأنهم وبالإجماع رفضوا وبلسان واحد أن يستلم أي منهم كبشا واحدا من تلك الكباش باعتبار تلك الكباش سحتا، فما كان من الرجل إلا أن طوى متاعه وفك بيوته الجاهزة ورحل دون وداع ولا رجعة. لقد فهم الرسالة. "با أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم" محمد/ الآية 7.

 

 

الموقف الرابع:

 

يوجد في السينغال مصطلح شعبي يطلق عليه قانون الحارة أو قانون الحي، ساري المفعول والتطبيق في المدن الكبرى والأحياء الشعبية بخاصة وإن لوحظ زحفه إلى الأحياء الراقية شيئا فشيئا. أبطال هذا القانون من شباب وفتيان الأحياء الذين بادروا بمحض إرادتهم بشحاعة فتطوعوا للدفاع عن الأعراض والأملاك والأنفس في عتمة الليل في وجه الجريمة المتفشية. سئموا مما تنتهي إليه أوامر القبض على الجناة يمضون شهورا في الحبس ثم يطلق سراحهم في العادة ليعودوا لما نهوا عنه. قد تكون هذه الروح شبه العسكرية مستلهمة من الأجداد إلى الآباء فالأحفاد.
هذا القانون يقضي بالتعامل الفوري مع جرائم السرقة وهتك الأعراض ليلا قبل أن تصل الشرطة.
فحينما يسطو سارق على أهل بيت ليلا تحدث حالة استنفار سريعة للمجاورين ومجاوريهم نتيجة لأصداء صيحات الاستغاثة "سارق، سارق، سارق" من قبل المعتدى عليهم فيتم سد منافذ الأزقة والممرات والمخارج من قبل فتيان الحي فيقبض على السارق، يشبع ضربا وعند مجيئ الشرطة أو الدرك تجد السارق في حالة يرثى لها فتسارع إلى نقله لأقرب مستشفى للإنعاش وحينما تعود للتحقيق في ملابسات ما حدث لن تجد من يدلها على الفاعل في حق السارق فيسجل الفعل على مجهول.
وحينما يقبض على صائل على بيت من بيوت الحي بغرض انتهاك الأعراض يتم التعامل معه بعد القبض عليه بمثل ما تم التعامل به مع السارق ولكن بجرعة مضاعفة ضربا وتنكيلا وفي الغالب تجده الشرطة قد فارق الحياة، فيسجل الفعل على مجهول لأنها ببساطة لن تجد من يدلها على الفاعل.
"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفووا من الأرض" المائدة/ الآية33.
أما حوادث السير داخل المدن التي تؤدي إلى الوفاة أو الإصابات البليغة نتيجة لتهور السواق فقلما يسلم مرتكبوها من بطش الشارع وإن نجا أحدهم فلأنه أطلق ساقيه للريح تاركا المركبة على قارعة الطريق.
 

 

الموقف الخامس:

 

في العام 2009 وبالتحديد في يوم 20 يناير 2009 عقدت قمة عربية للتنمية الاقصادية في الكويت ودعي إليها بعض القادة من غير الدول العربية.
كان من بين الحضور الرئيس السينغالي آنذاك عبد الله واد. عبد الله واد جاء بخطاب مثقل بالمطالب والهموم والعتب نيابة عن القارة السمراء من جهة وعن بلده السينغال من جهة أخرى. ومما قاله عبد الله واد أنه يستغرب استبعاد السينغال من عضوية الجامعة العربية، ذلك بأن السينغال كما يقول ليست أقل عروبة من الصومال وجيبوتي وجزر القمر. صفق الجميع ولكن ...
والحقيقة إنما صرح به عبد الله واد أمام قمة عربية ولأول مرة وبغض النظر عن استجابة القمة والجامعة العربية من عدمها هو الحقيقة بلا زيادة ولا نقصان. ولمزيد من الإيضاح، فإن المغزى الحقيقي من وراء قبول الدول الثلاثة الصومال وجيبوتي وجزر القمر أعضاء في الجامعة العربية هو بالدرجة الأولى جيوسياسي توسعة للمجال الحيوي العربي في البحر الأحمر والمحيط الهندي. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن لم لا ينطبق ذلك على الجناح الغربي لبلاد العرب.
كان يفترض بالدبلوماسية الموريتانية أن تكون أول من يسارع إلى تبني الطرح السينغالي من باب الموضوعية ووضوح الرؤية وأن تسعى بكل السبل الممكنة لترجمة المطلب السينغالي إلى واقع معاش ولو أنها شجعت كلا من مالي بتاريخها الإسلامي العريق وغينيا بتوجهاتها التعريبية المشهورة لكان ذلك خيرا للجميع وقيمة مضافة للرصيد السياسي والمعنوي للبلاد في القارة والإقليم وقطعا لدابر التنافر والتباعد فيه واختراقا في جدار الصد الثقافي الموروث عن الاستعمار الغربي الخبيث وتوسعة للمجال الحيوي العربي غربا. فهل من مستوعب؟ أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي.
"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" آل عمر/ الآية 110.

 

الخلاصة:

 

التفاعل الاجتماعي والسياسي بين المجتمعات وبين الدول وبخاصة المتجاورة من سنن الحياة، يوجد الغث ويوجد السمين. 
حاولنا قدر الإمكان من خلال هذه الحكايات والمواقف إشعال شمعة في الظلام. والدال على الخير كفاعله والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى الناس بها.
"وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" محمد/ الآية 38.
 
 
انواكشوط بتاريخ 10 شعبان 1447 هـ
                 الموافق 29 يناير 2026م

 

 

**ـ عقيد متقاعد
    من مواليد مدينة أطار الموريتانية
    المؤهلات العلمية:
- باكلوريا وطنية
- ليسانس حضارة وإعلام ـ المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية
- بكالوريوس علوم عسكرية ـ جامعة مؤتة الأردنية
- ماجستير علوم عسكرية وإدارية ـ جامعة مؤتة الأردنية
- ماجستير علوم إستراتيجية ـ أكاديمية ناصر العسكرية العليا ـ مصر

تصفح أيضا...