محمد محمود أبو المعالي يكتب : موريتانيا والنيجر.. مقاربة "العدوى" و"التحصين".

ثلاثاء, 01/09/2026 - 18:36

 

كانت العاصمة النيجرية نيامي على موعد متجدد مع أحداث دامية يوم السبت الماضي، تمثلت في محاولة انقلابية فاشلة، شكلت محطة خطيرة في حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني التي تعصف ببعض بلدان منطقة الساحل عموما، وبدولة النيجر على وجه الخصوص، حيث تعيش منذ سنوات على صفيح ساخن، فلا يكاد أزيز الرصاص يخبت في بقعة منها، حتى تنبعث رائحة الدماء والمتفجرات من بقعة أخرى، وقد جاء تصاعد الأوضاع في العاصمة، بعد أسبوعين حافلين بالهجمات الدامية، في جنوب البلاد وغربها وشمال شرقها، التي تشنها تنظيمات "سلفية"، وأخرى سياسية معارضة للنظام، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والمصابين.

 

وتثير هذه الأحداث المتلاحقة في النيجر، والتي تتركز امتدادات معظمها وجذورها التنظيمية والفكرية في بعض البلدان المجاورة لها ولموريتانيا، أكثر من سؤال عن سر تفاقمها هناك، وهدوئها هنا، وهو ما تقتضي محاولة الإجابة عليه تسليط الضوء على المشترك بين موريتانيا والنيجر، ورصد نقاط الاتفاق وتجليات الاختلاف، عبر مقاربة شاملة للسياسات المتبعة، ومقارنة موضوعية بين ميكانيزمات الاستقرار في موريتانيا، وبواعث التوتر في النيجر. 

 

إذ يتقاطع البلدان في عديد الأمور، في مقدمتها الوضع الجغرافي والتضاريسي والاجتماعي، فكلاهما بلد ذا طبيعة جغرافية صعبة، ومساحة شاسعة، ومجال صحراوي مفتوح، فضلا عن تعدد العرقيات وتنوع الثقافات واللغات، وسيادة المذهب الإسلامي السني المالكي بين السكان، وانتشار الطرق الصوفية. 

ولكل منهما حدودها المشتركة مع جمهورية مالي، التي يشكل جزؤها الشمالي البؤرة الملتهبة التي انطلقت منها شرارة جماعات العنف المسلح، وعبرت الحدود نحو أجزاء كبيرة من منطقة الساحل، بما في ذلك موريتانيا والنيجر، وإن كانت حدود موريتانيا مع مالي تناهز 2240 كلم، مقابل حدود لا تتجاوز 820 كلم بين النيجر ومالي، وقد تلقى البلدان (موريتانيا، والنيجر) العدوى الصادرة من شمال مالي، منذ وصول جماعات العنف إليها، وتمثلت في هجمات وتفجيرات متكررة شهداها خلال العقدين الماضيين، إلا أن موريتانيا استطاعت احتواء ذلك العنف الدموي، بينما يوشك العنف أن يحتوي النيجر وما حولها، كما ربحت موريتانيا معركة التحصين ضد الإرهاب، ومنعت إعادة إنتاج دوامة العنف وتناميها، من خلال استراتيجية متعدد المقاربات والأبعاد، تركز على معالجة الأسباب، واجتثاث الجذور، وتأمين الحدود، فاستطاعت أن تربح المعركة وتخمد أوارها، قبل أن تتحول إلى حرب مفتوحة لا نهاية لها، كما نجحت قواتها المسلحة أيام المواجهات وبعدها، في منع الجماعات المسلحة من أن تحوز موطأ قدم لها أو تقيم معسكرا على أراضيها. 

 

أما النيجر التي تسربت إليها العدوى في ذات الفترة، وفي نفس الظروف، فقد تفاقم فيها الوضع بشكل خطير، وأخفقت في منع تسرب العدوى إلى أوصال الدولة والعبث بها، ورغم أن حدودها مع مالي ـ مصدر العدوى ـ لا تزيد إلا قليلا عن ثلث الحدود المالية الموريتانية، إلا أن تلك الحدود باتت اليوم مستباحة وبؤرة لإنتاج دوامة العنف وإعادة تصديرها إلى مالي وباقي دول الجوار، فأصبحت منطقة "غورما" الحدودية بين النيجر ومالي وبوركينافاسو، تصنف كأخطر منطقة في العالم، وتحولت ولاية "تيلابيري" بأسرها في غرب النيجر على الحدود مع مالي، إلى مسرح لأنشطة تنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية، وتصاعدت الهجمات وأعمال العنف في مناطق "بانكيليري" و"تيرا" و"أضرمبوكان" و"آبالا" المتاخمة للحدود مع مالي، ناهيك عن حالة الفوضى والعنف الأعمى في ولايتي "ديفا" و"زيندر" الجنوبيتين، اللتين توجد بهما معسكرات لجماعة "بوكو حرام" تضرب منهما في النيجر ونيجيريا وتشاد وبنين، أما شمال وشرق البلاد فقد بات مسرحا هو الآخر لأنشطة جماعات المعارضة المسلحة التي تنتشر في المناطق المحاذية لمثلث الحدود بين النيجر وتشاد وليبيا، فضلا عما تشهده تلك المنطقة من نشاط لعصابات تهريب المخدرات والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين.

 

ثم إن موريتانيا نجحت في بسط الأمن وفرض حالة الاستقرار، اعتمادا على قواتها المسلحة وقوات أمنها، دون استجلاب قوى أجنبية للحماية أو النجدة، ودون تشكيل مليشيات أهلية مسلحة يعهد إليها بتأمين القرى والمناطق المفتوحة.

 

أما النيجر فقد استضافت لفترة طويلة قوات فرنسية وأخرى أمريكية، ثم استبدلتهما بقوات روسية، وشكلت عددا من المليشيات المحلية ذات طابع العرقي من "الزرما" و"الفلان" و"الطوارق"، كل ذلك من أجل تحقيق الاستقرار، ومحاربة الجماعات المسلحة، لكن الوضع ظل يزداد تفاقما وترديا يوما بعد يوم.

 

وسياسيا تعرف موريتانيا استقرارا وسكينة، يندران في منقطة الساحل، حيث يمارس الموريتانيون عملية سياسية مريحة، يخوضون خلالها انتخاباتهم الرئاسية والتشريعية والمحلية، دون أي تهديد أو وعيد، وغداة وصول الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة عام 2019 شهد المسرح السياسي حالة من الهدوء والانسجام غير مسبوقين، حتى كاد الخطاب المعارض فيها يتماهى مع الخطاب الموالي، وهو ما مكن البلاد من التركيز على المسار التنموي والخدماتي، وتحول الجدال السياسي من نقاش حول استقرار الدولة وأمنها ومصيرها، إلى نقاش حول أولويات التنمية، ومحاربة الفساد، وتحسين الخدمات العمومية، وتكرست المهمة الجمهورية للجيش وسلاحه في حماية كيان الدولة وتأمين حدودها.

 

أما النيجر فلم تستطع حتى الآن التملص من شبح الانقلابات العسكرية والتمرد بين الفينة والأخرى، بعد أن تم وأد الديمقراطية فيها، وأصبح الحديث عن التنمية والخدمات العمومية ضربا من الخيال، وغدت الغاية الأولى من السلاح والعساكر حماية السلطة، أو الاستيلاء عليها، وبات المشهد السياسي فيها يتشكل على وقع العنف والعنف المضاد، وهو ما فاقم حالة عدم الاستقرار السياسي، ودفع بها نحو مزيد من الاضطراب والقلاقل، حتى باتت تصنف عالميا كعاشر دولة من حيث عدم الاستقرار والتضرر من العنف والإرهاب.

 

بينما أفضت استراتيجية موريتانيا، وسياساتها المنتهجة، إلى تصنيفها اليوم ضمن أكثر بلدان الساحل استقرار أمنيا، وهدوءا سياسيا، بعد أن أبعدت عنها شبح التهديدات الإرهابية، وتلاشت أشراط ونذر الأزمات السياسية.

 

وخلاصة المقارنة، أننا أمام مقاربتين مختلفتين ومسارين متباينين، أفضى كل واحد منهما، إما إلى طريق محمود هنا، أو إلى سُبل ومفازات ممقوتة هناك، إنها مقارنة بين مسارات المقاربة الواعية التي تخدم البلد على بصيرة، وترفع العقيرة تحقيقا لمصالح الوطن أولا، وتتيح متسعا من الوقت وفسحة من الأمن والاستقرار، لمناقشة قضايا التنمية والبناء والتطوير، مع اتساع في مساحة اختلاف الآراء وتباين التصورات، وبين مسارات أخرى هناك يغتصبها حكام في سلطة الأمر الواقع، يظنون أنهم مانعتهم حصونهم وتحالفاتهم الخارجية إلى أجل هم بالغوه، قبل أن تتيح ثغرات تلك الحصون منفذا لسلطة أخرى جاءت بقوة الحديد والنار.

 

محمد محمود أبو المعالي

تصفح أيضا...