المؤسسات العمومية تشتيت للجهود و هدر للمال العام

جمعة, 28/08/2026 - 16:46

أشرت في لقاء تلفزيوني أخير إلى أن الإصلاح الحقيقي يتطلب الخروج من دائرة المألوف من القرارات و عليه أن يطال منهج التسيير نفسه وأن يحدث قطيعة فعلية مع بعض الممارسات والأساليب التي تراكمت عبر السنين وأسهمت في إنتاج الواقع الذي ننتقده اليوم. وسأحاول خلال الفترة القادمة التوقف عند بعض الملفات التي أرى أنها تستحق تعاطيا مختلفا عما كان عليه الحال بحثا عن مكامن الترشيد ورفع الكفاءة وحماية المال العام.

 

ومن هذه الملفات خريطة المؤسسات والشركات العمومية. فقد وصل عددها وفق أحدث وثيقة استراتيجية لوزارة المالية إلى أكثر من 180 مؤسسة وشركة عمومية تشغل قرابة 34 ألف عامل بعد أن كان الحصر الرسمي لسنة 2022 يبلغ 174 مؤسسة.

 

وهذا يستوجب في تقديري مراجعة شاملة تشمل عدد المؤسسات و مهامها و جدوى استقلال كل واحدة منها و حجم مواردها و تكلفة إدارتها وتداخل اختصاصاتها. فليس من المنطقي أن تتحول كل حاجة جديدة للدولة إلى مؤسسة جديدة بمدير عام ومساعد ومديرين ومجلس إدارة وميزانية وسيارات ومقرات ولجان وصفقات بينما يمكن في حالات كثيرة تجميع المهام داخل مؤسسة واحدة قوية أو تحويل بعض الهياكل إلى فروع تشغيلية بدل إنشاء شخصيات اعتبارية مستقلة.

 

على سبيل المثال مدارس تكوين المعلمين الموزعة على عدة ولايات رغم أن الحاجة إلى وجودها جهويا لا نقاش فيها لكننا لا نحتاج بالضرورة إلى كل هذه الشخصيات الاعتبارية كل واحدة بإدارة ومجلس إدارة وميزانية أم يمكن أن تكون لدينا مؤسسة وطنية واحدة لتكوين المعلمين بفروع جهوية وينطبق المنطق نفسه و لو بدرجات متفاوتة على بعض مدارس التكوين الصحي وبعض هياكل البحث الزراعي والرعوي.

 

وفي قطاع الطرق والأشغال العامة لدينا على سبيل المثال ETER لصيانة الطرق وETR-ML للأشغال بالمواد المحلية و ATTM إلى جانب ANESP المكلفة بالدراسات ومتابعة المشاريع و المختبر الوطني للأشغال العمومية LNTP المختص بالاختبارات والرقابة الفنية. هنا يمكن تصور دمج ETER وETR-ML و ATTM أو توحيد جزء كبير من وسائلهما وخدماتهما الإدارية.

 

وفي قطاع الموانئ لدينا ميناء نواكشوط المستقل وميناء نواذيبو المستقل وميناء تانيت وميناء انجاكو ومؤسسة ميناء خليج الراحة. اختلاف طبيعة هذه الموانئ ومواقعها وأنشطتها قد لا يجعل دمجها الكامل في إدارة تشغيلية واحدة هو الحل الأمثل لكن لماذا لا تدرس الدولة إنشاء مجموعة وطنية للموانئ تجمع بعض الوظائف المشتركة كالتخطيط الاستثماري و المشتريات الاستراتيجية و التأمين و نظم المعلومات و الخبرة القانونية و أعمال الصيانة والتفاوض مع كبار الموردين مع إبقاء الاستقلال التشغيلي لكل ميناء.

 

أما قطاع المياه فيقدم نموذجا آخر جديرا بالمراجعة ف SNDE للمياه الحضرية و ONSER لخدمات المياه في الوسط الريفي و SNFP للحفر والآبار و CNRE للموارد المائية فهل الفصل المؤسسي بين الماء الحضري والريفي ما زال ضرورة أم أصبح من الأنسب صهرهما في مؤسسة وطنية للمياه بقطاعات حضرية وريفية وفروع جهوية على أن تصبح شركة الحفر ذراعا تنفيذية متخصصة داخل منظومة أكثر تكاملا.

 

أما فيما يتعلق بالمؤسسات الطبية فالأمر مختلف حيث لا أعتقد أن الحل هو تحويل مستشفيات البلاد إلى مؤسسة مركزية واحدة فالمستشفى يحتاج إلى مسؤولية طبية وتشغيلية واضحة وقريبة من المريض إلا أنه يمكن تجميع الخدمات المشتركة كشراء بعض الأدوية والمستلزمات والتجهيزات صيانة الأجهزة الطبية أنظمة المعلومات و التأمين و بعض وظائف الدعم بدل أن يعيد كل مستشفى شراء نفس الخدمة وبناء نفس الجهاز الإداري من الصفر.

 

والمسألة في النهاية ليست مجرد اقتصاد في رواتب المديرين بل يتعلق الأمر بعدد مراكز القرار والإنفاق والتعاقد. فكلما تضاعفت المؤسسات دون ضرورة موضوعية تضاعفت معها الإدارات والمجالس والسيارات والمقرات والمشتريات والعقود واتسعت كذلك المساحة المتاحة للزبونية والمجاملة وتوزيع المناصب والامتيازات وإرضاء أصحاب النفوذ بدل أن يكون معيار إنشاء المؤسسة هو الحاجة والكفاءة والمردودية.

 

فالدولة الحديثة لا تقاس بعدد المؤسسات التي تنشئها ولا بعدد المناصب التي توزعها وإنما بقدرتها على تحقيق أكبر أثر بأقل موارد وبأوضح مسؤولية وأقوى رقابة وأقل قدر ممكن

من الهدر والتداخل.

تصفح أيضا...