«المرأة الموريتانية: القلب النابض لمشروع موريتانيا الجديدة» / حواء الداي — المديرة الجهوية للعمل الاجتماعي بكوركول

خميس, 30/07/2026 - 09:48

لم يكن اللقاء الإعلامي الذي جمع فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني بممثلي الصحافة الوطنية والدولية يوم الجمعة 24 يوليو 2026 مجرد استعراض لحصيلة سبع سنوات من العمل، ولا مجرد تمرين في التواصل السياسي مع الرأي العام، بل بدا، في دلالاته العميقة، بمثابة إعلان عن مرحلة جديدة من المشروع الوطني، عنوانها ترسيخ ما تحقق، واستكمال ما بدأ، وبناء دولة حديثة تستند إلى الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية للأمم. 

 

ومن بين الرسائل الكبرى التي يمكن استخلاصها من هذا اللقاء، تبرز رسالة بالغة الأهمية، مفادها أن المرأة الموريتانية ليست طرفًا على هامش التنمية، ولا مجرد مستفيدة من نتائجها، وإنما هي إحدى ركائزها الأساسية، وقوة وطنية لا غنى عنها في معركة بناء الدولة الحديثة، وترسيخ قيم المواطنة، وتحقيق النهضة الاقتصادية والاجتماعية التي تنشدها موريتانيا . 

 

لقد كشف حديث رئيس الجمهورية عن رؤية متماسكة للدولة، تنطلق من قناعة راسخة بأن التنمية ليست مجر د طرق وجسور ومبان ومنشآت، وإنما هي قبل كل شيء بناء للإنسان، وتوسيع لفرصه، وتمكين لقدراته، وإطلاق لطاقاته الخلاقة. ومن هذا المنظور، فإ ن المرأة تحتل موقعًا متقدمًا في أي مشروع وطني يراد له أ ن يكون مشروعًا للمستقبل.

 

سبع سنوات… من ترسيخ الدولة إلى الاستثمار في الإنسان  

 

عند التأمل في المسار الذي عرفته موريتانيا خلال السنوات السبع الماضية، تبدو الصورة أكثر وضوحًا. فقد شهدت البلاد تعزيزًا للاستقرار، وترسيخًا لمؤسسات الجمهورية، وتقدمًا في مشاريع البنية التحتية، وتحسينًا للخدمات العمومية، وتوسيعًا لبرامج الحماية الاجتماعية، وتطويرًا للقطاعات الإنتاجية، وتعزيزًا لمكانة موريتانيا إقليميًا ودوليًا . 

 

وهذه التحولات لم تكن أهدافًا في ذاتها، بل كانت أدوات لبناء مجتمع أكثر تماسًكًا وعدالة، وأكثر قدرة على توفير الفرص لجميع أبنائه وبناته . 

 

وفي هذا السياق، تبرز المرأة باعتبارها المستفيد الأكبر من التنمية، وفي الوقت نفسه أحد أهم صناعها. فكل استثمار في التعليم، وكل تطوير للخدمات الصحية، وكل سياسة للحماية الاجتماعية، وكل إصلاح للإدارة، ينعكس بصورة مباشرة على المرأة والأسرة، ويعزز قدرتها على الإسهام في التنمية الوطنية.  

 

المرأة… من شريك في التنمية إلى صانع لمستقبلها 

 

إن القراءة المتأنية لمضامين اللقاء الإعلامي تقود إلى استنتاج واضح، وهو أن المشروع الوطني الذي يقوده رئيس الجمهورية يقوم على تعبئة جميع الطاقات الوطنية، دون استثناء. وفي مقدمة هذه الطاقات تأتي المرأة الموريتانية بما تمتلكه من كفاءة علمية، وخبرة مهنية، وحضور متزايد في مختلف ميادين العمل . 

 

لقد أثبتت المرأة الموريتانية، عبر العقود، أنها شريك موثوق في التعليم، والصحة، والإدارة، والقضاء، والعمل الاجتماعي، وريادة الأعمال، والإعلام، والعمل الأهلي. واليوم، وهي تدخل مرحلة جديدة من النضج المهني والعلمي، تبدو أكثر استعدادًا للمشاركة في قيادة التحولات الكبرى التي تعرفها البلاد. 

 

ولعل الرسالة الأبرز التي يمكن استلهامها من رؤية رئيس الجمهورية هي أن مستقبل موريتانيا لن تصنعه الحكومة وحدها، ولا المؤسسات الرسمية وحدها، وإنما سيصنعه مجتمع بكامل مكوناته، تكون فيه المرأة شريًكًا كاملًا في التفكير، والتخطيط، والتنفيذ، والتقييم . 

 

تمكين المرأة… خيار تنموي واستراتيجي 

 

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي حققت أعلى معدلات النمو والاستقرار هي تلك التي جعلت من تمكين المرأة خيارًا استراتيجيًا، لا مجرد شعار سياسي. فالمرأة المتعلمة تربي أجيالًا أكثر وعيًا ، والمرأة العاملة توسع القاعد ة الإنتاجية، والمرأة القيادية تثري القرار العمومي، والمرأة الريادية تخلق الثروة وفرص العمل، والمرأة المنخرطة في العمل المدني تعزز التماسك الاجتماعي.

 

ومن هنا، فإن الاستثمار في المرأة ليس استجابة لمطلب فئوي، وإنما هو استثمار في مستقبل الوطن، وفي جودة رأس ماله البشري، وفي استدامة نموه الاقتصادي والاجتماعي . 

 

المرحلة القادمة… مرحلة تعبئة وطنية شاملة 

 

إذا كان اللقاء الإعلامي قد استعرض ما تحقق، فإنه حمل، في الوقت نفسه، ملامح مرحلة جديدة عنوانها تسريع الإصلاحات، ورفع كفاءة الإدارة، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الاقتصاد الوطني، ومواصلة مكافحة الفساد، وترسيخ الحكامة الرشيدة. 

 

وهذه الأهداف الكبرى، في قراءتنا، لا يمكن أن تبلغ مداها إلا إذا أصبحت المرأة في صميم الديناميكية الوطنية الجديدة ، ليس بوصفها عنصرًا مساعدًا، وإنما باعتبارها شريًكًا في صناعة القرار، وصياغة السياسات، وتنفيذ البرامج، وتقييم نتائجها . 

 

إن ما تحتاجه موريتانيا اليوم هو تعبئة وطنية واسعة، تجعل من المرأة قوة اقتراح، وقوة مبادرة، وقوة إنتاج، وقوة قيادة، إل جانب الشباب، والباحثين ، والجامعات، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، وسائر القوى الحية. المرأة… ضمانة استدامة المشروع الوطني  

 

إن المشاريع الكبرى قد تنجز في سنوات، أما بناء الأم م فيحتاج إ لى أجيال. ومن هنا، فإن الرؤية التي قدمها رئيس الجمهورية تبدو، في جوهرها، رؤية تتجاوز منطق الإنجاز الظرفي إ لى منطق التأسيس لموريتانيا المستقبل. 

 

وفي هذا المشروع، تبدو المرأة الحلقة التي تصل بين الحاضر والمستقبل؛ فهي المربية، والمواطنة، والقيادية، والمنتجة، وصانعة الوعي، وحاملة القيم، والضامن الحقيقي لاستدامة أي إصلاح . 

 

ولهذا، فإن الرهان على المرأة ليس رهانا سياسيًا عابرًا، بل هو رهان حضاري يعكس إيمانا بأن نهضة الأمم تبدأ من الاستثمار في الإنسان، وأن الإنسان لا يكتمل عطاؤه إلا عندما تتاح الفرصة للمرأة والرجل معًا للإسهام في بناء الوطن . 

 

خاتمة 

 

إن القراءة العميقة للقاء فخامة رئيس الجمهورية مع الصحافة الوطنية والدولية تقود إ لى قناعة مفادها أن موريتانيا تدخل مرحلة جديدة من تاريخها السياسي والتنموي، عنوانها الانتقال من ترسيخ الإصلاح إلى تعظيم أثره، ومن بناء المؤسسات إلى تعظيم مردودها، ومن إطلاق المشاريع إلى ضمان استدامتها . 

 

وفي صميم هذه المرحلة، تبرز المرأة الموريتانية باعتبارها أحد أهم أعمدة المشروع الوطني، ليس لأنها تمثل نصف المجتمع فحسب، بل لأنها تمثل نصف طاقته، ونصف كفاءته، ونصف قدرته على الإبداع وصناعة المستقبل . 

 

وإذا كانت السنوات السبع الماضية قد رسخت أسس الدولة الحديثة، فإن المرحلة المقبلة تبدو، في ضوء ما يمكن استخلاصه من رؤية رئيس الجمهورية، مرشحة لأن تكون مرحلة الارتقاء الأكبر بمكانة المرأة، وتعزيز حضورها في مختلف مواقع المسؤولية، حتى تصبح شريًكًا كاملًا في صياغة مستقبل موريتانيا، وإحدى أهم القوى الدافعة لمسيرتها نحو التنمية والازدهار والاستقرار.

 

فحين تؤمن الدولة بقدرات نسائها، وتفتح أمامهن آفاق المشاركة والإبداع، فإنها لا تمّكّن فئة من المجتمع فحسب، بل تطلق طاقات وطن بأكمله، وتضع الأساس المتين لموريتانيا أكثر قوة، وأكثر عدلًا، وأكثر ازدهارًا للأجيال القادمة.

تصفح أيضا...