
كم وددت لو تمكنت من تقديم التعزية مباشرة في الأمير الراحل صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير قطر السابق، أكرم اللـه نزله. إن له علينا حقا ليس فقط لأنه قائد سابق لبلد شقيق عزيز تربطه ببلدي (موريتانيا) علاقات تالدة وطارفة، فذلك حق يؤديه نيابة عنا الرؤساء والوزراء والمبعوثون الرسميون والسفراء، وممثلو الجالية المكرمون، وقد أدته موريتانيا على أرفع مستوى من خلال رئيسها محمد بن الشيخ الغزواني. ومع ذلك أشعر بأن للأمير الراحل حقا خاصا علي شخصيا، فقد كنت شاهد عيان على بعض ما كان يكن من حب عميق لبلدي، وما يحمل من رؤية مستبصرة مستبشرة بمستقبله، ولعله {جعلها كلمة باقية في عقبه}، وفي قصة حبه لموريتانيا تكشف لي بعض ما له من وعي سياسي، وفكر غير تقليدي.
لذلك سأجعل تأبيني للأمير الراحل وتعزيتي فيه اقتباس فقرات من سفر ذكرياتي الخاصة عن جوانب من شخصيته، فقرات التقطتها من مشكاة عنايته الخاصة بموريتانيا، نموذجا غير حصري بالتأكيد لرؤية أوسع واهتمامات أشمل.
وسيكون الحديث عن مسار ذي اتجاهين أساسيين:
أولا – من الدوحة إلى نواكشوط
في يوم 12 من شهر ديسمبر 2007، كلفني الرئيس الموريتاني الراحل سيدي محمد بن الشيخ عبد اللـه – طيب اللـه ثراه – بأن أعد لتوقيعه رسالة إلى أخيه صاحب السمو الأمير الشيخ حمد – أكرم اللـه نزله – يشير فيها إلى اتصالات سابقة بينهما، ويدعوه لزيارة موريتانيا. حولت الرسالة في اليوم نفسه إلى أخي سيدي محمد/ إسماعيل أمجار مدير ديوان الرئيس. وبعد أقل من 4 أشهر، وتحديدا يوم الأربعاء 2 إبريل 2008، وصل سمو الأمير الشيخ حمد وحرمه سمو الشيخة موزة بنت ناصر المسند إلى مطار نواكشوط في مستهل زيارة كان مقررا أن تستغرق يومين. في المطار، خصص له استقبال رسمي مناسب، وكان من مستقبليه عند سلم الطائرة إلى جانب الرئيس سيدي محمد وحرمه ختو بنت البخاري: الوزير الاول الزين بن زيدان، وقائد الاركان الخاصة لرئيس الجمهورية الجنرال محمد بن عبد العزيز، والمدير المساعد لديوان رئيس الجمهورية محمد بن التجاني، وسفير دولة قطر بنواكشوط سعادة السيد محمد الكردي طاهر المري .وكان في مقدمة مستقبليه على أرضية المطار كل من با امباري رئيس مجلس الشيوخ، ومسعود بلخير رئيس الجمعية الوطنية (مجلس النواب)، وأحمد بن داداه زعيم المعارضة الديمقراطية، وأعضاء بعثة الشرف المرافقة: يحي احمد الواقف، الوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية، محمد السالك محمد الامين وزير الشؤون الخارجية والتعاون، سيدى محمد أمجار مدير ديوان رئيس الجمهورية، محمد الامين السالم الداه سفير موريتانيا بقطر، احمدُ الشيخ الحضرمي مستشار رئيسي برئاسة الجمهورية، الخليل النحوي مستشار رئيسي برئاسة الجمهورية، اجيه سيداتي مستشار برئاسة الجمهورية، عبد اللـه مامادو با المستشار الناطق الرسمي باسم الرئاسة، امال بنت الشيخ عبد اللـه ملحقة إعلامية.
في مستهل جلسة مشتركة بين الرئيس سيدي محمد وضيفه، وبحضور عدد من الوزراء، فوجئت بالأمير يعانقني بحرارة، اعتبرتها بادئ ذي بدء بشاشة مرسلة مشاعة يبذلها لكل من صافحه، لكنه ما لبث وهو يمسك بيدي وقتا أطول من المعتاد أن قال: تابعت لك منذ فترة مقابلة تلفزيونية، وقلت: هذا الرجل لا بد لي منه، وها أنا لقيتك... بدأت الجلسة بأريحية وعفوية، وبدا الأمير منشرحا مسترسلا في الحديث، قال كلاما طيبا عن موريتانيا، وطرح أفكارا من عنده، كان منها فكرتان تشيان بوعي ثقافي وسياسي مخضرم، قال في إحداهما إنه يحلم بأن يرى مدينة شنقيط وقد أصبحت في غضون ثلاث سنوات مثابة لنحو نصف مليون نسمة، لهم معايشهم ونشاطاتهم المنتجة. هنا تجلت شخصية القائد السياسي الذي يمنح نفسه حق الحلم المجنح (الانتقال في سنوات قليلة من نحو 5000 نسمة إلى ضعفها 100 مرة!). حتى نحن الذين حملنا أو حمل أسلافنا على مدى قرون سمة "الشناقطة"، تاجا على رؤوسنا ووساما على صدورنا، لم نفكر في هذا ولم نحلم به. لكن الأمير الذي أراد أن يقول لنا ضمنا إنه فخور بإشعاع بلاد شنقيط أذن لنفسه بالحلم، ليس فقط، بل وقال إنه يريد أن يعمل بجد من أجل تحويل هذا الحلم إلى حقيقة. وقبل أن ننعتق من أسر صورة الأمير ذي الحلم الكبير المجنح بعشق التراث والتاريخ (نعلم أنه حرص في بلده على أن تبقى سوق واقف صامدة تناطح في بساطتها وتواضع أبنيتها ناطحات سحاب الدوحة الجديدة)، إذا به يفاجئنا بفكرة أخرى جاء بها من ضفة أخرى، ضفة الحداثة وثقافة العصر. قال بحزم: أريد أن أبني أكبر صرح برلماني عربي في موريتانيا اعتزازا بديمقراطيتها. هنا تجلى الوجه الآخر: أمير عاشق للديمقراطية، في طبعة قد تكون مستوردة في زيها، لكن روحها (الشورى) روح أصيلة عتيقة. لقد هزته واقعة تداول سلمي سلس على السلطة، حين تنازل الرئيس الراحل اعلي بن محمد فال ورفاقه العسكريون، بل وحكومته المدنية عن السلطة، وقبلوا ألا يترشح أي منهم لأي منصب انتخابي، وأن يكتفوا بتنظيم أول انتخابات حرة تعددية يتنافس فيها مرشحون لا يجلس أي منهم على كرسي الحكم. واضح أن الأمير رسم، ما بين الضفتين، لوحة ذهبية مركبة عن بلاد شنقيط المضمخة بعبق التاريخ، وموريتانيا المتحفزة لمزيد من افتراع أفق الحداثة من بوابة "الديمقراطية"، بطبعة نادرة في أقطار الوطن العربي. وعاد الأمير ليؤكد انفتاح قطر على موريتانيا واستعدادها للمضي أشواطا بعيدة في التعاون معها وفي مختلف المجالات، وطلب أن تعد موريتانيا ملفات المشروعات التي ترغب في أن تكون محلا للتعاون، لكنه طرح من فوره فكرة أخرى غير تقليدية. قال: لا نريد أن تتيه ملفاتنا في دهاليز الإدارة. نريد أن تعينوا شخصا واحدا يكون مسؤولا عن جميع ملفات التعاون من طرفكم، وسنفعل نفس الشيء من طرفنا، والتفت إلى أخيه الرئيس سيدي محمد ينتظر جوابه، وكأنه يريد ألا تضيع دقيقة انتظار، فما كان من الرئيس سيدي محمد إلا أن قال له: من جانبنا سيكون فلان (يعني كاتب السطور) نقطة الاتصال، ورد الأمير فورا: ومن جانبنا سيكون سعد نقطة الاتصال، يعني الأستاذ سعد محمد الرميحي كاتبه الخاص، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أنه سيتابع شخصيا وعن كثب ملفات التعاون. ولعل الرئيس سيدي محمد ما قرر أن يكلفني بهذا الملف – وفي الحاضرين وغيرهم من هم أحق بحمله، وربما كان حِملهم الوظيفي أخف من حِملي يومئذ، إلا لما رأى من اهتمام الأمير بي، بالرغم من أنني لم ألتق به ولا مرة قبل ذلك التاريخ.
في المساء، نظم حفل عشاء على شرف الضيف الكريم. وبلغني أن الشاعر الكبير الأستاذ أحمد عبد القادر عبر عن استعداده للمشاركة في الترحيب بضيف البلاد، فوجدتها غنيمة لا تُضيّع، ذلك أنه لا قرى أبقى ولا أرقى من شعر خالد، أحرى إن كان بتوقيع شخصية مثل العميد أحمدُ عبد القادر. اتصلت بوزير الثقافة آنذاك الأخ محمد فال الشيخ وطلبت منه برمجة الشاعر، ففوجئت بأن الملف الثقافي للحفل ليس بيده، بل صرح بأنه عندنا في رئاسة الجمهورية، واستغربت لأنني لست على علم، والحال أنني مكلف بملفات مجموعة من القطاعات الوزارية بينها قطاع الثقافة، فاتصلت بمدير المراسم السفير محمد بن الداه بن التيس رحمه اللـه، فوعدني بإرسال بطاقة دعوة، لكنه لم يجزم بشيء بشأن البرمجة، بل فهمت أن البرنامج ليس بيده أيضا، لكنه وعد بالنظر في الأمر. بعثت البطاقة إلى "الشاعر"، عَلَما، وسعدت باستقباله والجلوس معه على مائدة واحدة أثناء الحفل، وبقيت ألاحق ما بين الفينة والفينة مدير المراسم تارة ومنسق الحفل تارة لتذكيرهم بدعوة الشاعر العميد، حتى توهمت أنهم يريدون أن يجعلوا قصيدته ختام مسك السهرة، ولشد ما كانت مفاجأتي، وامتعاضي، حين أعلن عن اختتام السهرة دون أن يدعى الشاعر، ولم يكن باستطاعتي أن أتدخل من جديد، وقد نهض الرئيس وضيفه. تألمت كثيرا، وفهمت أنه كان هناك تحفظ على الشاعر لسبب بسيط هو أنه كان مصنفا في المعارضة، ونعمت المعارضة الناعمة المؤدبة الهادئة، إن كان الأمر كذلك، لكن الشاعر الرمز أكبر من التصنيفات، وإنشاده في الحفل، لو وقع، كان سيكون مكسبا مضاعفا، ليس فقط لأن توقيعه في سجل الترحيب بالضيف سيكون توقيعا مميزا، ولكن لأنه أيضا يعزز الصورة التي يحملها الأمير عن موريتانيا الشاعرة، موريتانيا المتصالحة مع ذاتها، المتجاوزة لخنادق السياسة الضيقة في الشؤون المشتركة ومنها إكرام ضيف كريم. تجرعت تلك الغصة على مضض، لكنني تأكدت من أن الرئيس سيدي محمد لم يكن على علم بالموضوع، ولو علم لكان له رأي آخر، خاصة وأنه كان يحمل أيضا فكرا غير تقليدي سبب له متاعب سياسية، فقد حرص على توسيع قاعدة الحكم بإشراك عدد ممن خاضوا الحملة ضده، وعين معارضين في وظائف سامية، وأبدى من الاحتفاء بالشعراء وتوشيحهم ما لم يسبق إليه.
نغصت علي هذه الواقعة ليلتي ورجوت أن يكون الضيوف قد أووا إلى مضاجعهم دون أن يعلموا، مرتاحين لما شهدوا من الحفاوة. وأصبحنا وأصبح الملك للـه، وجرى برنامج الصباح وفق المقرر، فقد حضر الأمير مع الرئيس عروضا قدمت في قصر المؤتمرات، وكان من المقرر في نهاية برنامج اليوم الثاني أن يتناول الأمير ووفده طعام العشاء خارج مدينة نواكشوط، في بادية، تحت الخيام، على مسافة قريبة من الأطلسي، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، فما إن عاد الأمير إلى القصر الرئاسي بعد نشاط الصباح، حتى قرر السفر من فوره. فوجئت بمن هاتفني ليعلمني بالخبر، ويقول لي إن الأمير توجه إلى المطار دون أن يرافقه رئيس الجمهورية. استغربت الأمر كثيرا، وهاتفت على الفور الرئيس سيدي محمد فأكد لي الخبر، قلت له أرى أن تلحقوا به في المطار لتودعوه حتى وإن رفض. رد علي بأنه حاول أن يرافقه وألح من جانبه، لكن الأمير أصر عليه أن يرتاح ويدعه يتحرك، دون مراسيم خاصة، فتلك رغبته. اتصلت بالسفير المري أستوضح السبب، فتمسك بأنه أمر عادي جدا، وذكر أن هذه طبيعة الأمير، فهو كثيرا ما يتملص من القيود المراسيمية، وذكر زيارة سابقة له إلى بلد عربي آخر، رفض فيها مراسيم التوديع. ربما كان ذلك صحيحا، وكان تجليا من تجليات الفكر غير التقليدي لهذا الأمير، لكن هنالك سياقا يحتمل أن يكون قد حمل بعض مستشاري الأمير على أن ينصحوه باختزال الزيارة والسفر بتلك الطريقة المفاجئة وغير المعهودة؛ ففي اليوم الذي بدأت فيه الزيارة، تمكن سجين مما يعرف ب"السلفية الجهادية" من الفرار من قصر العدل في نواكشوط، وسمع طلق ناري في بعض أحياء المدينة. وبالرغم من عدم حصول أي تغيير في برنامج الزيارة بقية اليوم الأول وصباح اليوم الثاني، وبالرغم من أن حشودا من الجماهير اصطفت على جنبات الطريق المؤدي من المطار إلى القصر الرئاسي للترحيب بالضيف عند قدومه مما يوحي بعدم وجود مخاوف أمنية، وبالرغم من أن الرئيس سيدي محمد كان قد عفا عن مجموعة من السلفيين، بل واستقبل بعضهم في القصر الرئاسي، مما يجعله، فرَضا، خارج دائرة استهدافهم... بالرغم من ذلك كله، فإن من شأن تزامن الزيارة مع أحداث من هذا النوع أن يثير مخاوف، إن لم تكن خوفا من الأمير على نفسه، أو من معاونيه عليه، فخوفا منه هو على أخيه ومضيفه أن يتعرض لسوء إذا هو رافقه. ومهما يكن من أمر، فقد كان ما حدث مريبا ومثيرا للقلق بشأن الزيارة وما بعدها، وكان هناك من يرون أن فرار السلفي والطلق الناري لم يكونا حدثا عشوائيا، وإنما كان ذلك كله أمرا بُيّت بليل، بغرض الإيحاء بأن البلد غير آمن، وأن طريق التعاون والاستثمار ليست سالكة. وسواء أكانت هذه الأطروحة حقا أم لا، فإن ما حدث يوشك، بواقع الحال وبدلالة السفر المفاجئ، أن ينسف كل الآمال المعلقة على الزيارة، وأن يجعل أماني الأمير الطموح ووعوده أضغاث أحلام.
كان طبيعيا أن نتوجس خيفة من أن يكون الأمير قد غادر بانطباع غير الذي جاء به. وبالرغم من ذلك، فقد انطلقنا في تحضير ملفات التعاون، فمن الخير أن تكون لدينا حقيبة مشروعات إضافية جاهزة للعرض على قطر وعلى غيرها من الممولين عند الاقتضاء خصوصا بعد النجاح الكبير الذي شهده مؤتمر الداعمين (اجتماع المجموعة الاستشارية لموريتانيا)، المنظم برعاية البنك الدولي. في باريس أوائل ديسمبر 2007، فقد قاد وفد موريتاني كبير برئاسة الوزير الأول الزين بن زيدان جولة مفاوضات لاستدراج الدعم بالاستفادة من التحول السلس الذي شهدته موريتانيا، وكان الهدف سد فجوة مالية تقدر ب1.5 مليار دولار، لتغطية متطلبات خطة لمكافحة الفقر، لكن رضا شركاء موريتانيا الثنائيين والدوليين وإعجابهم بتجربة موريتانيا وفر للبلاد تعهدات مالية معلنة أثناء الاجتماع بمبلغ 2.1 مليار دولار، أي بزيادة أكثر من الثلث على المبلغ المطلوب أصلا. وكانت قطر حاضرة في باريس، لكنها لم تعلن أي التزام، ربما في انتظار فرصة مناسبة، اعتبرناها زيارة الأمير حمد لموريتانيا. وهكذا، شكلنا فريقا متعدد القطاعات. وبينما كنا نعمل بجد، لمحاولة التغلب على ثقل الروتين الإداري، وبطئه، والعوز النسبي في المهارات والمعلومات في بعض القطاعات، جاء خبر سار بدد مخاوفنا لكنه، في الوقت ذاته، أحرجنا بعض الشيء، لأننا لم نكن راضين عن جاهزية ملفاتنا؛ فقد دعاني الرئيس سيدي محمد إلى مكتبه أواسط شهر يونيو (شهرين وأياما معدودات بعد زيارة الأمير حمد)، وأخبرني أن الأمير اتصل به وقال له إنه يريدني أن آتي في أقرب وقت ممكن لنتابع ملفات التعاون، لأنه سيسافر في إجازته الصيفية، ولا يريد أن يسافر حتى نسجل تقدما في مسار التعاون. هنا أيضا تجلت روح المبادرة وصدق الالتزام عند الأمير، واطمأننا إلى أنه لم يغادر موريتانيا بانطباع سلبي يحمله على النكوص عن وعوده.
طلب مني الرئيس سيدي محمد أن أستعد وأعد رسالة خطية أحملها إلى الأمير، فقلت له: لقد سافر الأمير في الظروف التي تعلمون، ولا يمكن أن نكتفي بأن نأتي بحقيبة مشروعات ورسالة خطية بشأن التعاون، بل لا بد من رسالة غير مكتوبة ننقلها إليه شفهيا لطمأنته على الوضع الأمني في البلد، فمن المعلوم أن رأس المال جبان، وسألته: ماذا يمكن أن أقول للأمير بهذا الشأن؟ قدم لي الرئيس سيدي محمد عرضا مركزا منهجيا مطمئنا، لكنه لم يكتف بذلك، بل طلب مني أن أجتمع بمن أسميهم اختصارا بالمحمدين الثلاثة، ثم استدرك قائلا: مع الأسف، الجنرال محمد عبد العزيز مسافر حاليا إلى فرنسا. ومن الواضح أنه كان لا يريد أن نتحدث في شأن أمني حساس إلا حضوريا، وعليه، فقد طلب مني أن أجتمع مع المحمدين الآخرين قائلا: ستجد عندهما ما تحتاج إليه من التفاصيل. اتصلت بالجنرال محمد بن الهادي مدير الأمن الوطني وضرب لي موعدا في منزله، حيث سهرنا بعض الشيء لأسمع منه عن الوضع الأمني، ولمناقشة أمور أخرى، ثم اتصلت بالجنرال محمد بن الشيخ الغزواني قائد الأركان العامة للجيوش يومئذ، فأصر على أن يكون هو من يأتي إليّ، حاولت إقناعه فلم يقبل، وجاء إلي متواضعا موطأ الأكناف، يسوق سيارة صغيرة بنفسه. وكان لنا أيضا قسط من السهر والسمر حول القضايا ذاتها، وكانت فرصة الحديث معه أوسع. خرجت من اللقاءين بعدة مهمة، ما يناسب المقام منها هو أنني تزودت بمعلومات تعينني على وضع الأمير حمد في الصورة من جانبها الإيجابي.

