حول دكتوراه الفقيه... من الإجازة المحظرية إلى عصرنة الفقيه / عبد القادر ولد محمد

أربعاء, 22/07/2026 - 20:56

 

لا يسعني إلا أن أحجز مكاني في مقدمة صفوف المهنئين والمباركين لأخي وابن عمي، معالي الوزير الفقيه الدكتور أحمد ولد النيني، بمناسبة حصوله على شهادة الدكتوراه. فكل ما يسره ويسر محبيه يسرني، وأسأل الله تعالى أن يزيده علمًا وتوفيقًا، وأن يجعل هذه الشهادة لبنة جديدة في مسيرة علمية حافلة.
غير أن هذه المناسبة تفتح، في نظري، بابًا لتأمل أوسع من مجرد الاحتفاء بشهادة جامعية، يتعلق بمكانة الإجازة العلمية في المحظرة الموريتانية، وعلاقتها بالشهادات الجامعية الحديثة.
ففي التقليد العلمي الموريتاني الاصيل ، لم يكن الفقيه يبلغ هذه المنزلة إلا بعد رحلة طويلة من حفظ القرآن، واستيعاب المتون، والتلقي المباشر عن الشيوخ، حتى ينال الإجازة أو التزكية العلمية التي تشهد له بالرسوخ في علوم الشريعة واللغة. وهذه الإجازة كانت، في معناها العلمي، أعلى درجات الاعتراف بالكفاءة، ولذلك كان كبار علماء العالم الإسلامي يتلقون عن علماء شنقيط، ويشهدون لهم بالإمامة في الفقه المالكي.

وليس هذا ادعاءً، بل حقيقة سجلها التاريخ. فقد توارث علماء شنقيط علم أئمة المذهب، من أمثال سحنون، وابن أبي زيد القيرواني، وابن عرفة، حتى انتهت رئاسة الفقه المالكي في بعض عصوره إلى علماء هذه البلاد، وهو ما شهد به علماء الأزهر، والزيتونة، والقرويين، والحرمين، والعراق، والسودان وغيرهم.

ومن المدارس التي كان لها أثر بالغ في هذا التراث، مدرسة  العلامة محمد بن محمد سالم، التي تخرج فيها الفقيه أحمد ولد النيني. وكانت هذه المدرسة، في المجتمع الشنقيطي، أشبه بمعهد عالٍ للتخصص في الفقه، ترسل إليها المحاظر خريجيها لاستكمال التكوين والتعمق في المذهب. وقد أشار الاداري الفرنسي  بول مارتي إلى مكانتها في دراساته عن الإسلام في بلاد البيظان، ويكفيها فخرًا أن العلامة يحظيه ولد عبد الودود، بعد أن بلغ منزلة رفيعة في العلم والتعليم، ارتحل إليها ليتزود من معينها.

ومن الخصائص الفريدة لهذه المدرسة أنها ليست مدرسة أفراد، بل مدرسة أسر علمية، تتوارث الفقه جيلًا بعد جيل، حتى ترى الفقيه وابنه وحفيده يدرسون معًا في زمن واحد، في صورة نادرة من صور استمرارية السند العلمي.

واليوم تتجسد هذه الخصوصية في نجلي الفقيه أحمد ولد النيني، الشابين النيني ومحمد  حفظهما الله، اللذين ينهلان من علم والدهما، كما نهل هو من والده النيني .
غير أنني أرجو لهما، ولجيلهما من شباب فقهاء موريتانيا، أن يضيفوا إلى هذا الرصيد العظيم ما أتاحه عصرهم من علوم ومعارف. فكل جيل مطالب بأن يبني على ما ورثه، لا أن يكتفي بتكراره.
وهنا أصل إلى الفكرة التي أراها جديرة بالنقاش.

ليست القضية اليوم أن يحصل الفقيه على شهادة أخرى في العلوم الشرعية، فهذه العلوم قد أفنى فيها زهرة عمره، وأثبت فيها كفاءته بالإجازة المحظرية قبل الدكتوراه الجامعية.
إن القضية، في تقديري، هي عصرنة الفقيه.

والمقصود بذلك ليس عصرنة المحظرة؛ فالمحظرة أدت رسالتها التاريخية، وما تزال تؤديها، في حفظ القرآن، وصيانة المذهب، وتخريج العلماء. وإنما المطلوب أن يكتسب الفقيه، إذا أراد أن يشارك في إدارة الدولة الحديثة، تكوينًا راسخًا في القانون، والإدارة، والمالية العامة، والاقتصاد، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والفلسفة، واللغات الأجنبية، حتى يكون قادرًا على الإسهام في بناء المؤسسات، وصناعة السياسات العامة، وترسيخ دولة القانون.

وليس هذا التصور جديدًا في بلادنا. فقد عرفت الدولة الموريتانية، في مراحل سابقة، توجهًا نحو تفقيه القانون وتقنين الفقه، قاده فقهاء أجلاء تقلدوا أرفع المسؤوليات، وكان هذا الموضوع من بين القضايا التي استوقفتني في أبحاثي القانونية. أما اليوم، فأرى أن الأولوية الفكرية أصبحت تتمثل في عصرنة الفقيه، لأن الإشكال لم يعد في النصوص وحدها، بل في إعداد الكفاءات القادرة على الجمع بين الرسوخ في الفقه، والإحاطة بعلوم الدولة الحديثة.

وأذكر، في هذا السياق، أنني شهدت خلال عضويتي في مجلس الوزراء نقاشًا حول الإصلاح الإداري، طُرحت فيه أهمية تمكين خريجي المحاظر من العلوم المساندة التي تؤهلهم لتولي المسؤوليات العمومية. وحينها  أكد الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع  حفظه الله ورعاه  أن إنشاء شعبة البكالوريا في العلوم الشرعية كان خيارًا وطنيًا وتوجهًا استراتيجيًا يهدف إلى تسهيل اندماج خريجي المحاظر في أجهزة الدولة، مع توفير التكوين التكميلي اللازم لهم. وقد بدأ هذا المسار بالفعل، ولا سيما في مجال تكوين القضاة، وهو مسار جدير بأن يتوسع.
وفي الجمهورية الإسلامية الموريتانية، لا تقوم الدولة على مفهوم ولاية الفقيه كما هو معروف في الفقه السياسي الشيعي، وإنما يحتل الفقيه مكانة المرجعية العلمية والاستشارية، يوجه، وينصح، ويجتهد، ويسهم في ترشيد القرار العام. ولذلك فإن الدولة الحديثة أحوج ما تكون إلى فقيه يجمع بين أصالة التكوين الشرعي، وفهم القانون، والإدارة، والاقتصاد، واللغات، والعلاقات الدولية.
ذلك، في تقديري، هو التحدي الحقيقي الذي ينتظر المحظرة الموريتانية في القرن الحادي والعشرين.

ولعل أجمل هدية يمكن أن نقدمها اليوم لشباب فقهائنا، وهم يسيرون على خطى آبائهم وأجدادهم، هي أن نقول لهم: احفظوا تراث أسلافكم، ثم أضيفوا إليه علوم عصركم. فبهذا وحده تبقى المحظرة منارة للعلم، ويبقى الفقيه قادرًا على خدمة دينه ووطنه ودولته، دون أن يفقد أصالته أو يتخلى عن رسالته.

 

عبد القادر ولد محمد.

تصفح أيضا...