الدكتور المختار الجيلاني يكتب : مراجعة طريقة امتحانات البكالوريا..  ما عيب النظام القديم؟

خميس, 25/06/2026 - 23:41

    يدعونا التفكير في مراجعة نظام امتحانات البكالوريا التي باتت تمثل شبَحًا مخيفًا يهدد مصائر الشباب ويدفعهم إلى تحويل وجهتهم عن مواصلة التعلم، رهبةً حينًا، وإخفاقًا حينًا آخر، إلى طرح سؤال جوهري عن عيوب النظام القديم، والمزايا المرجوة من مراجعته.

 

    وهنا لا بد من الإشارة أولا إلى أن تأثير التجارب التعليمية الناجحة المتمثلة في اعتماد نظم مرنة في التعليم في عدد كبير من دول العالم التي تخلت عن طريقة تلقين المعارف واختبار القدرة الآنية على استظهارها لحظة الامتحان شرطًا للتجاوز وإحراز الشهادات، في سعيها إلى توسيع الفرص لتحفيز واستكشاف المواهب والقدرات البحثية والإبداعية والابتكارية لدى الطلاب، لم يقتصر على الرفع من جودة التعليم في حد ذاته، بل شكَّل أيضا رافعةً قويةً لتنمية الموارد البشرية وبناء الكفاءات الضرورية لاستدامة التنمية الشاملة في هذه البلدان.
 

  وغير خاف على المهتمين بالشأن التعليمي الذي يمثل نقطة التقاء كل الاهتمامات، أن أي تقييم لمخرجات النظام القديم لامتحانات البكالوريا لا يمكنه تعزيز الثقة فيه، كما أن التحولات المتسارعة في طبيعة سوق العمل الجديدة، والهيمنة المتنامية لاستخدامات الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الناشئة في مختلف مناحي الحياة وفي صدارتها التعليم، تضع صانعي القرار التعليمي أمام متغيرات حضارية جوهرية لا سبيل إلى نكرانها أو تجاهلها.

 

    ويمكن القول هنا دون مبالغة، إن النظام القديم لامتحانات البكالوريا يقوم على إجراءين يختزلان جملةً من العيوب التي ينبغي تصويبها، وهما:

1. التقييم الآني المتزامن أو الموحد الذي يضع الطلاب في نفس الظروف تحت ضغط عصبي هائل وكأنهم في حقل تجارب، دون اعتبار لأية فوارق محتملة (بل حتمية) في المواهب والقدرات والاستعداد الذهني والنفسي، الأمر الذي يجعل امتحان الطلاب في كل مادة أشبه بعملية رمي القداح حيث تلعب المصادفة لعبة الحظ الكبرى؛ فربما يأتي السؤال في الموضوع الوحيد الذي اطلع عليه الطالب المتكاسل أو الضعيف في تلك المادة، وربما يأتي في الموضوع الوحيد الذي لم يطلع عليه أو لم يستوعبه الطالب المتميز في المادة ذاتها، فتكون نتيجة التقييم تبعا لذلك خادعة ومضللة، وقد ينجح الضعيف أو يتقدم نتيجة لذلك أو نتيجة الغش والاختلاس، ويرسب القوي أو يتأخر في الترتيب لنزاهته أو عثور حظه، وقد يصبح الضعيف مؤهلا للتسجيل في تخصصات القمة، بينما يحرم الطالب القوي مما هو أهل له فيضطر إلى الرضى من الغنيمة بالإياب.
 

  يحدث كل ذلك إثر عملية اختبار وقتية آنية في حدود مقررات السنة الأخيرة. ومن الواضح أن إجراء الامتحان بهذه الطريقة لا يمكنه أن يعطي تقييما دقيقًا للقدرات الثابتة لدى الطلاب، ولا أن يساعد على التمييز بين المواهب والميول الشخصية التي هي المؤشر الأول لتحديد التخصص المناسب في المرحلة الجامعية لكل طالب على حدة. ولو أنهم خضعوا لعملية تقييم مستمرة تواكبهم طيلة سنوات التعليم الثانوي، مع استخدام طريقة الأسئلة المتنوعة، والمشاريع البحثية، بما يتماشى مع المعايير الدولية في هذا المجال، عوضًا عن الاعتماد بشكل كامل على نتائج الامتحانات النهائية، لجَنَّبهم ذلك انتظارَ الحظ والخضوعَ للمصادفة في النجاح، ومكَّنهم من إبراز مواهبهم والتعبير عن ميولهم المعرفية والأكاديمية والمهنية من خلال الدرجات التي يحصدونها باستمرار في مختلف المواد الدراسية.

2. طريقة طرح السؤال التي تركز على طلب استظهار المعلومة دون قياس القدرة على استيعابها وتوظيفها في التحليل، ليتحول الامتحان إلى اختبار في نجاح عملية إيداع المعرفة في العقول عوضًا عن إبداعها.

    يمكن لهذه الطريقة التي ترسخ مذهب الحفظ وتُعلي من قيمة التكرار والاجترار على حساب قيمة الفهم والتحليل والاستكشاف، أن تُفرِز بعض العارفين في مجالات مخصوصة قد لا تتطلب تجديدا أو خروجا على النسق المعرفي إلا في حدود مرسومة سلفًا، لكنها لا يمكن أن تمكن الطلاب من اكتساب الأدوات المنهجية والملكات الذهنية التي تساعدهم على تجاوز ذواتهم وتحرير أفكارهم لبناء عقول قادرة على الإبداع والابتكار والمنافسة والتكيف في سوق عمل دولية مفتوحة، تعيد تعريف الوظائف، وتقوم على استخدام التقنية، وتشهد منافسة شرسة لاستقطاب المهارات المتميزة العابرة للحدود.

    إن جزءًا كبيرًا من الحل، ضمانًا لجودة مخرجات التعليم، وبناء نموذج الشخصية الوطنية القادرة على المنافسة في سوق العمل الجديدة، يكمن إلى حد بعيد، في تغيير طريقة طرح السؤال، ويسبق ذلك منهجيًّا ومنطقيًّا، الانتقالُ من تقديم المعلومة الجاهزة، إلى تطوير أساليب تدريس وتعلم مبتكرة تستهدف مساعدة الطالب في استكشاف المعلومة والوصول إليها وتوظيفها في البحث والتحليل وعند الاستنتاج.

    إن ما نحتاجه في الواقع، هو توفير فرص جيدة للتعلم واكتساب مهارات البحث والتفكير النقدي، ليحصل كل طالب في النهاية على التكوين الذي يتناسب مع نوع القدرات والميول المعرفية والمهنية لديه، بما يمنحه القدرة على القراءة والتفسير والفهم العميق، والتفكير المنطقي المنظم، والكتابة الجيدة والتحليل، واستخدام البرهنة والاستدلال، وتحليل البيانات وحل المشكلات، وإجراء التجارب والتطبيقات، وإعداد المشاريع البحثية، كأهداف تربوية لا يمكن قياسها بجمع النقاط خلال الامتحان النهائي، بل بواسطة المراقبة الدقيقة، والمتابعة التربوية، والتقييم المتواصل الذي يفضي إلى التوجيه الصحيح للطلاب، وتفتق المواهب والقدرات الإبداعية، والتشبث بعقيدة التعلم المستمر سبيلا إلى رقي الأفراد والجماعات، على نحو يعمق الشعور المشترك بقيمة العلم في قلوب الأجيال القادمة، الأمر الذي سيبرز بوضوح، الأهمية الإستراتيجية للاستثمار في التعليم، ويفسح المجال للجهود الرامية إلى تطوير وتنويع الاقتصادات القائمة على المعرفة، بما يخدم التنمية الشاملة ويعزز عوامل الثقة والانتماء الوطني.

تصفح أيضا...