تصفار الكبدة / جدو ولد خطري 

أحد, 21/06/2026 - 19:52

 

في بادية شاسعة، حيث تتنفس الرمال دفء الشمس وتتسامر النجوم مع خيام البدو " الحلة "، كان عبد الرحمن رجلاً بدوياً معروفاً بالكرم والبرّ، يسكن مخيماً هادئاً مع أمّه المسنّة التي يجلّها فوق كل شيء. كان غنياً بقطعان الغنم والبقر التي تموج كالبحر في المراعي.

وفي إحدى الليالي، اشتكت أمّه من دوار وضعف شديدين، فجاء الطبيب ليُشخّص إصابتها بـ"فروغ الدم و أشعث" (فقر الدم الحاد)، ووصف لها دواءً غريباً قال فيه: "كل صباح، اذبح شاة سمينة  "رياعية من الغنم"، واشوِ كبدها الطرية (صفّر كبدتها) لأمك، واسقِها ليلاً لبناً  (لبن خَلْفه دَرْس) باردا، وانفخ عنه الفرارة، وأضف له علكاً مشوياً وسكراً ( نص أكعارة غالب من سكر)."

امتثل الابن البارّ للوصفة، وأصبح كل فجر يذبح شاة، يشوي كبدها (يصفّر كبدتها) لأمّه بعناية، ويوزّع ما تبقّى من الذبيحة على الحلة وفق العرف البدوي العتيد، لكلّ فرد سهم (عضو من الش ) حسب السن والمكانة الاجتماعية. والجميع يردّدون الدعاء للوالدة بالشفاء، وهي تأكل كبدها صامتة، لا تشتكي من ألم حقيقي.

ومرت الأشهر، وتآكل القطيع شيئاً فشيئاً، حتى أوشك على النفاد. حاول عبد الرحمن أن يلمح لأمّه بوقف الذبح، فانفجرت غاضبة تتهمه بالعقوق، وتطالبه بالاستمرار، وانضم إليها الجيران والطبيب، كلّ يجد في استمرار "مرضها" مصلحة شخصية وغذاءً يومياً.

في ليلة مقمرة، ركب راحلته وسار إلى حكيم في حي آخر، سرد عليه قصته بمرارة. قال له الحكيم:
"عد إلى أمك وقل لها: إني جعلت القطيع ملكاً لك وحدك. وفي الصباح، خذ سكينك كالعادة وادخل لمراح  لتذبح."

فعل الرجل ما أمره الحكيم، وأعلن لأمه أن القطيع صار ملكاً لها، ثم نامت تلك الليلة قريرة العين.

وفي الصباح، دخل "لمراح "بسكينه وأمسك بشاة ليذبحها، فإذا بأمه تركض خلفه تصرخ:
"ماذا تفعل يا ابني؟"
قال: "سأذبح لكِ دواءكِ يا أماه."
فردّت بكل حزم:
"الحمد لله، لقد شفيتُ، ولا حاجة للذبح بعد اليوم. القطيع ملكي، وأنا لا أرضى بذبح مالي كل صباح."

سقطت السكين من يده، وعاد القطيع ينمو، وعادت " الحلة "إلى عافيتها، وعرفت القبيلة كلها أن البرّ الحقيقي ليس في العطاء الأعمى الذي يستنزفك، بل في الحكمة التي تحفظ لمن تحبّ كرامته ومستقبله.

والأمّ في قصتنا هي الوطن الذي يظلّ صامداً رغم الجراح، ودماء شهدائنا الأبرار الذين سقطوا في تورين والغلاوبة …هي فلذات أكبادنا، روت تراب الوطن، ويستحقون التكريم والعرفان.

واليوم، تشكّل وزارة الدفاع سجلاً خاصاً لأبناء الشهداء، دليل قاطع أن الرئيس والجيش لا يساومون على دماء الوطن، وأنهم يضعون الشهداء وذريتهم في أعلى مكانة، وساماً على صدر الأمة وقدوة للأجيال.

وفي هذا السياق، يبقى الموقف القانوني واضحاً وحاسماً: دماء الشهداء خط أحمر، لا يحق لأي جهة كانت التجاوز فيه أو المساومة عليه، ذلك أن الأنظمة التي تحترم القانون والقضاء تجعل من حماية دماء الشهداء  مبدأً لا يقبل النقاش، ومن يثبت تورطه في قتل شهيد عن عقيدة وإرادة يكون خارج دائرة العفو والإعفاء، لأن استقرار الوطن وأمنه يقوم على أن الجريمة لا تسقط بالتقادم، ولا يُعفى عنها مرتكبوها.

وحين يُطرح حديث العفو عن المتورطين في قتلهم، يثور الجدل، وتتعالى أصوات محقة ترفض التفريط بدماء الشهداء، وتؤكد أن من قتل عن عقيدة وإرادة يجب أن ينال أقصى العقوبة، لأن دماء الشهداء ليست سلعة للتفاوض. وهذا هو الوجه الأول للحكمة: العقاب الرادع لمن قتل عن إرادة، تماماً كما بقي العقاب في القصة لمن يستغلون مرض الأم لمصالحهم.

أما الوجه الثاني، فهو التفريق بين صنف غرّر بهم واستُغلّوا من الإرهابين، فكانوا مشاريع إرهابية قبل أن يكونوا فاعلين. وهؤلاء -وإن كانت أيديهم ملطخة بالدم- يبقى فيهم أمل بالتوبة والرجوع. وهنا يأتي دور الحكيم في القصة، الذي لم يطلب من عبد الرحمن أن يتوقف عن الذبح مباشرة، بل غيّر ملكية القطيع إلى الأم، فتحوّلت نظرتها من "دواء يُستهلك" إلى "ثروة تُحافظ عليها". وكذلك الحكمة اليوم تقتضي أن نجعل هؤلاء المغرر بهم شركاء في الوطن بقبول توبتهم، لا أن نستمر في ذبحهم كخصوم، لأن ذلك يحمي الوطن من شرور الغلو وينزع السلاح من المتربصين، وهو عين ما فعلته الأم حين أصبح القطيع ملكها فرفضت ذبحه.

العقاب الرادع لمن قتل عن إرادة، والتوبة والتفاوض لمن غرّر بهم، هما وجهان لعملة واحدة اسمها حماية الوطن، كما أن القصة جمعت بين برّ الابن بأمه وحكمته في الحفاظ على القطيع. وأعظم تكريم لدماء الشهداء هو أن تكون آخر الدماء التي تُراق، وأن يعيش أبناؤهم في وطن آمن يليق بتضحياتهم، وأن يكونوا قدوة للأجيال وساماً على صدر هذا الوطن.
حفظ الله موريتانيا

تصفح أيضا...