
للوهلة الأولى، تبدو المؤشرات الاقتصادية في موريتانيا مطمئنة إلى حد كبير.
فالاقتصاد الوطني يواصل تحقيق معدلات نمو إيجابية، والدين العمومي يسجل تراجعًا تدريجيًا، والاحتياطيات الخارجية تعرف تحسنًا ملحوظًا، كما أن البلاد تستعد للدخول في مرحلة اقتصادية جديدة مع تنامي العائدات المرتبطة بإنتاج الغاز الطبيعي.
ووفقًا لأحدث التقديرات الدولية، ينتظر أن يسجل الاقتصاد الموريتاني نموًا يقارب 4.4% خلال سنة 2026، في حين تراجعت نسبة الدين العمومي إلى مستويات تقارب 37% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من بين أفضل المستويات المسجلة خلال السنوات الأخيرة.
لكن خلف هذه المؤشرات الإيجابية تبرز حقيقة أخرى لا يمكن تجاهلها.
ففي الأسواق، وداخل المؤسسات الاقتصادية، وبين المواطنين، يظل الشعور السائد لدى الكثيرين هو أن كلفة المعيشة أصبحت أعلى مما كانت عليه قبل سنوات قليلة.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
كيف يمكن أن تتحسن المؤشرات الاقتصادية الكبرى في الوقت الذي يشعر فيه المواطن بضغط متزايد على قدرته الشرائية؟
في تقديري، يمثل هذا السؤال أحد أهم التحديات الاقتصادية التي تواجه موريتانيا اليوم.
والحقيقة أن هذه المفارقة ليست خاصة بموريتانيا وحدها، بل عرفتها العديد من الدول التي دخلت في برامج إصلاح اقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية.
فغالبًا ما تتحسن التوازنات المالية والاقتصادية للدولة، بينما تصبح آثار الإصلاحات أكثر وضوحًا بالنسبة للمواطن والمؤسسة الاقتصادية على المدى القصير.
وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في موريتانيا.
فمنذ عدة سنوات، انخرطت البلاد في مسار إصلاحي واسع يهدف إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية وأكثر استعدادًا للاستفادة من الفرص الجديدة التي يتيحها القطاع الغازي.
وفي هذا الإطار، تم إطلاق مجموعة من الإصلاحات المتزامنة شملت نظام دعم المحروقات، وتحسين التحصيل الضريبي، وتحديث الإدارة الجمركية، وتعزيز حكامة المؤسسات العمومية، وتطوير السياسة النقدية، وتحسين آليات إدارة المالية العامة.
ورغم اختلاف هذه الإصلاحات في طبيعتها، فإنها تلتقي جميعًا عند هدف واحد: معالجة الاختلالات الهيكلية التي ظلت ترافق الاقتصاد الوطني لعقود طويلة.
فصندوق النقد الدولي لا يطالب موريتانيا فقط بتحسين أرقام الميزانية أو زيادة الإيرادات الجبائية.
بل يدعوها إلى الانتقال التدريجي من نموذج اقتصادي يعتمد بشكل كبير على الدعم العمومي والإعفاءات الواسعة إلى نموذج يقوم على الاستثمار المنتج والقدرة التنافسية وتعبئة الموارد الذاتية للدولة.
ومن هذا المنطلق جاءت مراجعة سياسة دعم المحروقات.
فالهدف لم يعد أن تتحمل الدولة بصورة دائمة تقلبات الأسعار الدولية للطاقة، بل أن يتم توجيه جزء أكبر من الموارد العمومية نحو الاستثمار في البنية التحتية والخدمات الأساسية والبرامج الاجتماعية والتنموية.
كما تندرج الإصلاحات المتعلقة بالمؤسسات العمومية الكبرى ضمن التوجه نفسه.
فالرهان اليوم يتمثل في بناء مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على تقديم خدمات ذات جودة واستقطاب الاستثمارات الضرورية لتوسيع قدراتها الإنتاجية ومواكبة متطلبات النمو الاقتصادي.
وينطبق الأمر كذلك على الإصلاحات الجبائية والجمركية التي تهدف إلى توسيع الوعاء الضريبي وتحسين التحصيل وتعزيز الشفافية ومحاربة مختلف أشكال التهرب الضريبي والجمركي.
أما فيما يتعلق بالسياسة النقدية، فإن التوجه نحو مزيد من المرونة في إدارة سعر الصرف يهدف إلى تمكين الاقتصاد الوطني من التكيف بشكل أفضل مع التقلبات الدولية وحماية التوازنات المالية للبلاد على المدى الطويل.
وتندرج الإصلاحات الأخيرة المتعلقة بالمناطق الاقتصادية الخاصة والأنظمة الجمركية ضمن السياق نفسه، حيث تتجه الدولة نحو تعزيز الشفافية الاقتصادية وتحسين الرقابة على حركة البضائع والرفع من كفاءة تعبئة الموارد العمومية، بما يضمن عدالة أكبر بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن فوائد هذه الإصلاحات لا تظهر فورًا.
فعندما يتم تقليص دعم معين أو تشديد الرقابة الضريبية أو تحديث الإجراءات الجمركية، فإن الأثر يكون محسوسًا بشكل مباشر وسريع.
أما النتائج الإيجابية المرتبطة بتحسين البنية التحتية وتعزيز الاستثمارات وتقوية المالية العمومية، فإنها تحتاج إلى وقت أطول حتى تنعكس على حياة المواطنين.
وهنا تكمن الصعوبة الحقيقية.
فالتحدي ليس اقتصاديًا فقط، بل هو أيضًا اجتماعي وسياسي.
ذلك أن نجاح أي إصلاح اقتصادي لا يقاس فقط بقدرته على تحسين المؤشرات المالية، وإنما أيضًا بقدرته على المحافظة على التماسك الاجتماعي وضمان استفادة المواطنين من ثمار النمو الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تكتسب الإصلاحات الجارية أهميتها باعتبارها جزءًا من رؤية أشمل يقودها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وتعمل الحكومة برئاسة معالي الوزير الأول المختار ولد أجاي على تنفيذها.
وترتكز هذه الرؤية على تحديث الاقتصاد الوطني، وتعزيز السيادة الاقتصادية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات العمومية، والاستعداد الأمثل للمرحلة الجديدة التي سيدخلها الاقتصاد الموريتاني مع تنامي مساهمة القطاع الغازي.
لقد أظهرت الأزمات الدولية الأخيرة، سواء المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط أو باضطرابات سلاسل الإمداد العالمية أو بتقلبات أسواق الطاقة، أن الاقتصادات الأكثر قدرة على الصمود هي تلك التي تمتلك مؤسسات قوية ومالية عمومية متوازنة وقاعدة إنتاجية متنوعة.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم كثير من الإصلاحات الجارية اليوم باعتبارها استثمارًا في استقرار الاقتصاد الوطني على المدى الطويل أكثر من كونها مجرد إجراءات مالية أو إدارية ظرفية.
ويبقى التحدي الأكبر خلال السنوات القادمة هو تحويل هذه الإصلاحات من مجرد إجراءات فنية إلى أدوات فعلية للتنمية وخلق فرص العمل وتحسين مستوى عيش المواطنين.
فالسؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت الإصلاحات مريحة أم لا.
فلا توجد إصلاحات اقتصادية كبرى دون كلفة أو تضحيات مؤقتة.
السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه الإصلاحات ستنجح في بناء اقتصاد موريتاني أكثر قوة وقدرة على المنافسة وأكثر استعدادًا لمواجهة أزمات المستقبل.
إن نجاح موريتانيا في هذه المرحلة لن يتوقف فقط على جودة الإصلاحات، بل أيضًا على قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار الاقتصادي وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
فالتجارب الدولية أثبتت أن الإصلاحات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تحقق أفضل المؤشرات المالية فحسب، بل تلك التي تنعكس آثارها الإيجابية على حياة المواطنين وفرصهم الاقتصادية.
وعلى ضوء ما تشهده المنطقة والعالم من تحولات متسارعة، يبدو أن هذا الرهان سيكون أحد أهم الملفات التي ستحدد شكل الاقتصاد الموريتاني خلال العقد القادم.

