
كتب مستشار الوزير الأول السيد محمد آب الجيلاني :
القيود السياسية على الضباط المتقاعدين، الإشكالية والتداعيات
الإشكالية
عندما يُصدر قانون يشترط على الضباط المتقاعدين استئذان وزير الدفاع لممارسة أي نشاط سياسي، يطرح سؤال فوري: ماذا عن من تقاعدوا قبل صدوره وأصبحوا برلمانيين أو رؤساء أحزاب أو أعضاء في مجالس محلية؟ هل يسري عليهم بأثر رجعي أم لا؟
الآراء الفقهية
الفقه منقسم إلى ثلاثة مواقف. هناك فريق يرفض التطبيق بالكامل استناداً إلى مبدأ عدم الرجعية وحماية الحقوق المكتسبة. وفريق يُجيزه قائلاً إن الارتباط المؤسسي بين الضابط ومؤسسته يبقى مستمراً حتى بعد التقاعد. ورأي وسط يميز بين الأثر الرجعي المحظور والأثر الفوري الجائز، ويقول إن المتقاعدين ملزمون بالقانون من تاريخ نفاذه دون المساس بما سبق.
الأثر على الواقع السياسي
هنا تنتقل المسألة من الفقه إلى الواقع. البرلماني المنتخب لا يمثل نفسه، بل يمثل ناخبيه. فتقييده بإذن وزير الدفاع يعني تقييد إرادة من أوصلوه، وهو ما يُخل بمبدأ الفصل بين السلطات. ورئيس الحزب الذي اختارته قاعدته لا يمكن أن يكون وزير الدفاع حكماً في استمرار شرعيته. وعضو المجلس المحلي الذي يدير شؤون الناس اليومية تعطل غيابه القسري مؤسسة بأكملها لا شخصاً واحداً.
والأخطر هو الأثر غير المرئي: كثير من المتقاعدين سيبتعدون عن السياسة من تلقاء أنفسهم دون رفض طلب واحد. هذا الصمت القسري يعد أكثر ضرراً على التعددية من أي قرار إداري معلن.
الخلاصة
القانون المقبول دستورياً هو الذي يسري بأثر فوري لا رجعي، ويحمي الولايات الانتخابية القائمة، ويُقيّد السلطة التقديرية للوزير بمعايير واضحة ورقابة قضائية فعّالة. أما القانون الذي يتجاهل هذه الضمانات فهو قانون يحمل في صياغته أسباب إسقاطه، ويطرح سؤالاً أعمق من أي نص تشريعي: هل يمكن لقرار وزاري أن يُوقف إرادة شعبية أفرزتها صناديق الاقتراع؟

