من إديني إلى ميناء الصداقة…ثم جسر الصداقة  كيف كتبت شركة CRBC اسمها في ذاكرة الموريتانيين؟ / سيداحمد سيداحمد 

أربعاء, 03/06/2026 - 17:41

ليست كل المشاريع مجرد إسمنت وحديد، فبعضها يتحول مع الزمن إلى جزء من ذاكرة الشعوب، وإلى شواهد صامتة على مراحل كاملة من التحول والبناء. 
هكذا تبدو قصة شركة CRBC الصينية في موريتانيا..
قصة بدأت منذ عقود، وما تزال آثارها حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.. 

 

في زمن كانت فيه العاصمة نواكشوط تواجه عطشا متزايدا ابان النشأة الأولى...
جاء مشروع مياه إديني كواحد من أكبر الأحلام التنموية آنذاك....

 

ولفهم القيمة الحقيقية لمشروع مياه إديني، لا يكفي النظر إلى الأنابيب ومحطات الضخ التي نراها اليوم، بل لا بد من العودة بالذاكرة إلى سنوات التأسيس الأولى للعاصمة نواكشوط، حين كانت المدينة الناشئة تخوض معركة يومية مع العطش.

 

ففي تلك الحقبة، كانت نواكشوط تخطو خطواتها الأولى كعاصمة لدولة فتية، وسط بيئة صحراوية قاسية وشح في الموارد الأساسية. وبينما كانت الأحياء تمتد شيئا فشيئا على أطراف الرمال، كان الماء يتحول إلى هاجس يومي يؤرق السكان والسلطات على حد سواء.

 لم تكن شبكات المياه قد بلغت ما بلغته اليوم، ولم تكن مصادر التزويد قادرة على مواكبة التوسع العمراني المتسارع...

 

كانت الصهاريج تنطلق من مدينة روصو، محملة بمياه نهر السنغال، لتقطع مسافات طويلة عبر مسالك وعرة في زمن لم تكن فيه الطرق المعبدة قد شقت طريقها بعد إلى أغلب المناطق. وكانت الرحلة تستغرق ساعات طويلة بل وأياما في بعص الاحايين .  وسط الحر والغبار وتقلبات الطبيعة، قبل أن تصل المياه إلى المدينة كانت تزداد عطشا كلما ازداد عدد سكانها...
وفي خضم تلك الظروف الصعبة، برز مشروع مياه إديني  فكان مشروع أمل بالنسبة لمدينة كانت تبحث عن شريان حياة دائم. 
ولم يكن الطريق إلى إنجازه مفروشا بالورود، فقد واجهت فرق الحفر  تحديات كبيرة بسبب الطبيعة الرملية الهشة للتربة، حيث كانت الانهيارات المتكررة تعرقل سير الأشغال وتعرض حياة العاملين للخطر..

 

ولعل أكثر القصص دلالة على عمق العلاقات الموريتانية الصينية تلك المرتبطة بمشروع مياه إديني، الذي واجهت فرق العمل أثناء إنجازه تحديات كبيرة بسبب طبيعة التربة الرملية وصعوبة الحفر في بعض المناطق. 

 

وقد دفعت تلك الظروف القاسية عددا من العمال والمهندسين إلى بذل تضحيات كبيرة، حيث فقد بعضهم حياته أثناء تنفيذ المشروع...

 

 ويروى حينها  أن رئيس الوزراء الصيني آنذاك، وفي معرض حديثه عن تلك التحديات، قال عبارة بقيت راسخة في الذاكرة: "إن علاقاتنا مع موريتانيا أقوى من رمال الصحراء". ولم تكن تلك الكلمات مجرد تعبير دبلوماسي عابر، بل تلخيصا لمسار طويل من التعاون والصداقة والإرادة المشتركة في مواجهة الصعاب وتحويل التحديات إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع.
ومع مرور السنوات، تمددت بصمة الشركة في أكثر من اتجاه. عند ميناء الصداقة، حيث تختلط رائحة البحر بحركة التجارة، تقف مشاريع الشركة شاهدة على مرحلة جديدة من تحديث البنية التحتية في البلاد...

 

 ومن بين أبرز ثمار التعاون الموريتاني الصيني في السنوات الأخيرة، يبرز جسر الصداقة في نواكشوط كمعلم عمراني حديث يجسد عمق الشراكة بين البلدين. 
وقد جاء هذا المشروع في سياق الإرادة المشتركة التي جمعت فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني ونظيره الصيني الرئيس شي جين بينغ، لتعزيز التعاون التنموي ودعم مشاريع البنية التحتية. 

 

واليوم،  يعد  هذا الجسر رمزا حيا لعلاقات صداقة تحولت من تفاهمات سياسية إلى إنجازات ملموسة يلمس المواطن أثرها كل يوم.

 

ولعل أول ما يستوقف الزائر وهو يلج بهو الشركة تلك اللوحات والصور التذكارية التي تنتشر في الواجهة الرئيسة.. وكأنها صفحات مفتوحة من تاريخ المؤسسة. فبين صور الجسور العملاقة والموانئ والطرق العابرة للقارات، تبرز صور أخرى توثق لحظات من التعاون مع دول مختلفة، من بينها موريتانيا. وتظهر بعض هذه الصور لقاءات جمعت مسؤولين موريتانيين بنظرائهم الصينيين خلال مراحل الإعداد وإطلاق مشاريع تنموية كبرى، في مشاهد تختزل سنوات من العمل المشترك وتعيد إلى الأذهان محطات مهمة في مسار التعاون بين البلدين.

 

في نواكشوط، قد يفتح أحدهم صنبور الماء دون أن يفكر في قصة طويلة بدأت قبل عقود. وقد يعبر آخر جسر الصداقة أو يشاهد السفن ترسو في ميناء الصداقة دون أن يدرك أن خلف هذه المنشآت حكاية من العمل والتحديات والتعاون بين موريتانيا والصين.

 

 إنها قصة شركة CRBC، التي لم تقتصر بصمتها على تشييد المشاريع، بل امتدت لتصبح جزءا من ذاكرة أجيال عايشت تحولات كبرى في مسار التنمية الوطنية.
حكاية بدأت  من رمال إديني القاسية، ومرت  عبر الموانئ والجسور، لتروي فصولا من شراكة استمرت لعقود وما تزال آثارها ماثلة على الأرض وفي وجدان الموريتانيين.

تصفح أيضا...