
(التدحرج نحو المجهول )/؟افتتاحية
بينما بدأت السنغال، بعد أسابيع قليلة من الشروع في استغلال حقل الغاز المشترك، تتعامل مع هذا المورد بوصفه فرصة تاريخية لتحسين حياة مواطنيها، ظل المشهد على الضفة الأخرى من الحقل مثقلاً بالغموض والارتباك وسوء الإدارة. فهناك، خُفِّضت تكلفة الكهرباء المنزلية لتصبح في متناول المواطنين، وأُعلنت استراتيجية واضحة لتحويل محطات التوليد إلى الغاز الطبيعي المحلي بدل الوقود الثقيل الباهظ، وبدأت إصلاحات هيكلية لتخفيف أعباء المعيشة.
ولم يكن ذلك مجرد وعود سياسية؛ فقد أكد الوزير الأول السنغالي عثمان سونغو في أكتوبر 2025، أثناء تنصيب لجنة الميثاق الوطني للاستقرار الاجتماعي، التزام حكومته بمراجعة العقود وضمان استفادة الشعب السنغالي من ثروته الغازية. ثم عاد في 13 مارس 2026 ليعلن بوضوح أن بعض عقود الغاز الموقعة مع شركة بي بي (BP) البريطانية مجحفة، متعهدًا بنشر وثيقة تفصيلية تكشف للرأي العام كل العقود التي خضعت للمراجعة في قطاعات الطاقة والصيد والبنية التحتية.
أما عندنا، فالصورة معاكسة تمامًا. فبدل الشفافية والإصلاح، ما يزال قطاع الطاقة محاطًا بسياج كثيف من الغموض والتضارب في الأرقام والتصريحات، بينما تفوح روائح العمولات والفساد من صفقات استيراد المحروقات والمنتجات النفطية. والنتيجة المباشرة لذلك أن المواطن هو من يدفع الثمن: أسعار الغاز المنزلي ترتفع، وفواتير الكهرباء تتضاعف، وتكاليف المعيشة تثقل كاهل الأسر، فيما تنتقل أعباء الضرائب والرسوم الجمركية إلى المستهلك البسيط بدل أن تُفرض رقابة صارمة على كبار المستوردين وهوامش أرباحهم الضخمة.
ولم تكتفِ السياسات الجبائية بإرهاق السوق، بل ذهبت إلى حد تحويل هواتف المواطنين إلى أدوات جباية مباشرة للدولة. فبقرار واحد، فُرضت ضريبة بنسبة 0.1٪ على كل تحويل إلكتروني يتجاوز خمسة آلاف أوقية، وكأن المشكلة في جيوب المواطنين لا في ثقوب الفساد التي تبتلع موارد البلاد. وهكذا وجد الكسبة والباعة الصغار والمستثمرون المحدودون أنفسهم في مواجهة موجات متتالية من الضرائب التي تخنق النشاط الاقتصادي بدل أن تنظمه.
ثم جاءت ضريبة الهواتف المرتفعة لتضيف حلقة جديدة إلى هذه السلسلة. وهي ضريبة قد تكون مفهومة في دول تمتلك صناعات محلية تسعى إلى حمايتها أو اقتصادًا قادرًا على امتصاص أثرها. أما في بلد لا يزال يستورد أبسط حاجاته الغذائية، فإن الحديث عن دعم الصناعة المحلية يبدو أقرب إلى المفارقة الساخرة. فما زلنا نستورد الأرز من تايلاند، والسكر من البرازيل، والزيوت من إندونيسيا، والخضروات والحبوب من دول الجوار. وإذا كنا عاجزين حتى عن تحويل منتجاتنا الزراعية والحيوانية إلى صناعات غذائية بسيطة، فكيف يمكن أن نقنع الناس بأن هذه الضرائب تمهد لصناعة تكنولوجية أو لإنتاج الشرائح الإلكترونية؟
غير أن الخطر لا يقف عند حدود الأعباء الاقتصادية. فالتقارير المتداولة حول ارتباط صفقة ضريبة الهواتف بمنح قاعدة بيانات المواطنين لجهة أجنبية تفتح بابًا أكثر خطورة. وقد سبق أن مُنحت هذه البيانات جزئيًا لشركة سنغالية تتولى تركيب العدادات الذكية للكهرباء في المنازل. ومثل هذه الخطوات لا يمكن التعامل معها بخفة؛ فقاعدة البيانات الوطنية لأي شعب ليست مجرد معلومات إدارية، بل هي أحد أعمدة الأمن القومي، بما تحويه من تفاصيل دقيقة عن هوية السكان وأنماط حياتهم.
ولهذا فإن منحها لأي جهة خارجية، تحت أي ذريعة، يمثل مخاطرة استراتيجية لا تقل خطورة عن التفريط في الموارد الطبيعية نفسها. فالدول التي تحترم أمنها القومي لا تترك بيانات مواطنيها إلا في يد مؤسسات وطنية مؤتمنة، تعمل تحت رقابة قانونية صارمة، وتدرك أن تسريب هذه المعلومات قد يتحول إلى أداة ابتزاز أو اختراق سياسي وأمني.
إن استمرار الصمت الرسمي في مثل هذه القضايا أخطر من الخطأ نفسه. وإذا لم يُفتح تحقيق شفاف يكشف للرأي العام حقيقة هذه الصفقات والجهات المستفيدة منها، فإن البلاد ماضية نحو مسار خطير: اقتصاد مثقل بالضرائب، وموارد طبيعية لا تنعكس على حياة المواطنين، ومؤسسات تتآكل تحت ضغط الفساد، وأمن قومي يتعرض لاختراقات متزايدة.
وفي عالم تتصاعد فيه التحديات الجيوسياسية والاقتصادية، لا يمكن لدولة أن تواجه المستقبل وهي تتراجع في مؤشرات الشفافية والنزاهة، وتتصدر قوائم الدول الأضعف أداءً في محيطها الإقليمي. فالثروات لا تصنع القوة وحدها؛ بل تصنعها قبل ذلك إدارة رشيدة، وشفافية في القرار، وإرادة سياسية تضع مصلحة الشعب فوق مصالح الصفقات والوسطاء.

