ما الذي يميز إيران؟/ محمد فال بلال

اثنين, 02/03/2026 - 17:15

تقوم الحرب التي شنّها تحالف الولايات المتحدة وإسرائيل يوم السبت الماضي ضد إيران على فرضية إسقاط النظام في طهران تحت وطأة القنابل باغتيال المرشد الأعلى للثورة وأفراد عائلته ومعاونيه وكبار القادة المدنيين والعسكريين. كان الاعتقاد السائد أنه نظام دكتاتوري هش، قائم على القمع والإكراه، وسينهار بمجرد تلقيه ضربة قوية مفاجئة. إلا أن النتيجة كانت مختلفة تمامًا. فقد جاء الرد سريعًا - في أقل من ساعتين - وبعيدا عن الانهيار الداخلي، شهدنا موجات عارمة من التضامن مع النظام. احتشدت الملايين في الشوارع وفي كافة المدن تعبيرا عن الولاء والدعم للمرشد الأعلى ومؤسسات الدولة بعيدا عن الارتباك والذعر والفوضى. ويثير هذا التفاعل الجماعي تساؤلات لدى كثير من المراقبين والمحللين الذين ينظرون إلى إيران من خلال عدسة "الغرب" العاجز حتى الآن عن فهم "خصائص" ذلك البلد العظيم. 

 إيران: حالة سياسية فريدة ولدت من رحم ثورة شعبية. 

سنركّز هنا على ثلاث خصائص أساسية ضرورية لفهم إيران: 

- أولاً، الشرعية الثورية المنبثقة عن انتفاضة شعبية واسعة؛

- ثانياً، مؤسسات سياسية أصيلة متجذّرة في هويتها الثقافية والدينية؛

- ثالثا، السعي الجاد نحو الاستقلال الاستراتيجي بالاعتماد على الدفاع والبحث العلمي.

 الشرعية الثورية المنبثقة من الشعب  

عند الحديث عن إيران المعاصرة، غالباً ما يُغفل جانبٌ بالغ الأهمية، وهو أن النظام الإيراني الحالي يستمد قوته وشرعيته من واحدة من أكبر الثورات الشعبية في القرن العشرين. ففي عام 1979، خرج الإيرانيون بالملايين إلى الشوارع للإطاحة بحكم الشاه "رضا بهلوي" وإيصال آية الله "الخميني" إلى السلطة. لم تكن هذه الثورة مجرد انقلاب عسكري، ولا انتقالاً تفاوضياً بين النخب، ولا تناوبا سلميا على الحكم، بل كانت انتفاضة عارمة شاملة، متجذرة بعمق في المجتمع الإيراني. وعلى عكس العديد من الثورات التي انزلقت إلى الفوضى أو عدم الاستقرار المطول، أدت الثورة الإيرانية سريعاً إلى إرساء نظام مؤسسي منظم. 

مؤسسات أصيلة، متجذرة في الهوية  

مباشرة بعد قيام الثورة، تم اعتماد دستور جديد عبر استفتاء شعبي عادل وشفاف، مُعلناً قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وبدون تردد ولا ارتجالية، أنشأت إيران مؤسسات راسخة: سلطة دينية عليا تجسد "ولاية الفقيه"، ورئيس للجمهورية منتخب، ومجلس شورى، وقضاء منظم، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، والحرس الثوري، إلخ. 

وتشكل هذه المؤسسات بطبيعتها وخصوصيتها أبرز السمات المميزة لجمهورية إيران الإسلامية. لم تسعَ الدولة الجديدة إلى محاكاة النماذج الغربية حرفيًا، ولم تكن نسخة طبق الأصل من الديمقراطيات الليبرالية، ولا نظامًا استبداديًا تقليديًا. بل طورت بنيتها السياسية الخاصة، مستلهمةً من تراثها الديني الشيعي، وتاريخها الوطني، ومنفتحة على بعض آليات الحكم الحديثة. ويمكن تلخيص هذا النظام بأنه توليفة فريدة من السيادة الشعبية والإطار الإسلامي: جمهورية قائمة على الانتخابات التنافسية، ومؤطرة بمبادئ دينية دستورية. ومع ذلك، لم يستلزم هذا التميز رفضًا منهجيًا للتراث السياسي العالمي، فقد أدمجت إيران عناصر اعتبرتها متوافقة مع هويتها: انتخابات رئاسية وبرلمانية تعددية، وحملات شعبية، ومشاركة منتظمة للناخبين، والحد من عدد المأموريات الرئاسية إلى اثنتين.

 الأخذ بناصية العلم والتكنولوجيا 

وأخيرًا، تميز مسار إيران بالعمل الجاد على تطوير العلوم النووية المدنية، التي يُشار إليها غالبًا باسم "العلوم النووية"، سعيا إلى التفوق التكنولوجي والاستقلال الاستراتيجي. وفي هذا النطاق يندرج ما يسمّى بالبرنامج النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي. إنها تعمل بجدية على تعزيز قدراتها الدفاعية استجابةً لمنظور تاريخي اتسم بالحرب، ولا سيما الصراع المدمر مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، والبيئة الإقليمية المضطربة وما تنطوي عليه من تهديدات ومخاطر.

 وهكذا، 

تبرز إيران كحالة سياسية فريدة: نظامٌ انبثق من ثورة شعبية عارمة، واستقر بفضل مؤسسات راسخة، وتأسس على مزيج من التقاليد الدينية والآليات الانتخابية الحديثة، ويتجه نحو السيادة العلمية والاستراتيجية. وسواء اتفق المرء مع خياراتها السياسية أم لا، يبقى من الصعب فهم إيران دون إدراك هذه الازدواجية في الواقع: ازدواجية الشرعية الثورية الأصلية، وازدواجية البنية المؤسسية التي تعكس هوية متميزة.

تصفح أيضا...