التواصل الفعال أثناء الأزمات: من الأزمة إلى الفرصة/ المصطفى ولد البو - كاتب صحفي  

جمعة, 23/01/2026 - 16:54

أصبحت الأزمات جزءًا لا يتجزأ من واقع يتسم بالتحولات السريعة، تسارع غذته وسائل التواصلالاجتماعي، والتي أسهمت من جهتها في جعل الأزمات تنتشر بسرعة غير مسبوقة، الأمر الذي فرض تحديات مختلفة ومتفاوتة الخطورة و بالمحصلة أجبر هذا الواقع المعنيين أو أصحاب المصلحة على التفكير في كيفية إدارة أزماتهم والتواصل حولها. 

 

في هذا السياق، يأتي كتاب "التواصل الفعال أثناءالأزمات: الانتقال من الأزمة إلى الفرصة" لمؤلفه روبرت أولمر، وتيموثي سيلنو، وماثيو سيجر، ليقدم رؤية لا تقوم على تشخيص الأزمات أو اعتبارها مجرد أحداث سلبية يجب تجنبها أو التعافي منها بأسرع وقت، بل يتعاطى معها كفرص للتجديد و التطوير المؤسسي.

 

تقوم الفكرة الأساسية للكتاب على فرضية ترى أنه من الضروري استغلال الأزمة لتحقيق أربعة أهداف رئيسية، أولها التعلم من الأخطاء، لأن الأزمة عادة تكشف نقاط الضعف وتسلط الضوء على الاختلالات، وثانيها يقوم على النقل الأمين والشفاف للمعلومات أثناء الأزمات، الأمر الذي سيسهم فيبناء مصداقية طويلة الأمد وثقة راسخة مع الجمهور، ويعتبر هذا النهج الأخلاقي في التواصل استراتيجية فعالة لإدارة الأزمة وتخفيف آثارهاالسلبية، والهدف الثالث يقوم على الحرص على عدم تفاقم الخسائر أو زيادة الأضرار والحذر من كلمامن شأنه أن يضر صورة المؤسسة أكثر أثناء الأزمة، والرابع والأخير، يرى أهمية ابتكار رؤية مستقبلية جديدة تأخذ بعين الاعتبار الدروس المستفادة من الأزمة.

 

 

سلط الكتاب أيضا الضوء على ما يميز الأزمةالحقيقية عن الحوادث أو المشاكل العادية، فحدد في هذا السياق عدة خصائص تساعد على تمييزها، منها ما أطلق عليه " الأزمة المُفاجئة " والتي تحدث بشكل غير متوقع وفجائي، مما يجعل المؤسسات غيرمستعدة للتعامل معها، لأن عنصر المفاجأة يخلق عادة صدمة أولية تعيق القدرة على الاستجابة الفعالة، خاصة في ظل عدم وجود خطط وآليات جاهزة للتعامل مع الطوارئ. أضاف أيضا مسألةالتهديد، معتبرا أن الأزمات تشكل تهديدا حقيقيا للمؤسسات، سواء كان هذا التهديد لسمعتها، أواستمراريتها المالية، أو سلامة موظفيها وعملائها، أوحتى وجودها كمؤسسة، الأمر الذي يتطلب استجابة حاسمة وفعالة، كما يعتقد مؤلفو الكتاب أن التأخر في ردة الفعل يمكن أن يفاقم الأضرار ويزيد منحدة الأزمة، خاصة في عصر تغولت فيه وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكن للأخبار والشائعاتأن تنتشر في دقائق معدودة.

 

كما قسّم الكتاب الأزمات إلى فئتين رئيسيتين، الأزمات المقصودة (مثل الإرهاب، والعنف في مكانالعمل، والفساد المؤسسي) والأزمات غير المقصودة(مثل الكوارث الطبيعية، والأوبئة، والحوادث)، معتبراأن هذا التصنيف يساعد المؤسسات على فهم طبيعةالتهديدات المختلفة التي قد تواجهها، وبالتالي تطويرخطط استجابة مناسبة لكل نوع.

 

ينصح هؤلاء الخبراء بتجنب تعمد إضفاء الغموض، محذرين من أن محاولة  التلاعب بالمعلومات أو إخفاءالحقائق بنية التقليل من الأضرار غالبا ما يأتيبنتائج عكسية، مؤكدين على أهمية إظهار النواياالحسنة والتعاطف والاهتمام، واستعرض في هذاالسياق كأنموذج، أزمة عصير التفاح الملوث لشركةأودوالا، وهي شركة أمريكية اشتهرت بإنتاجالعصائر الطبيعية، والتي استجابت فورا فسحبتجميع المنتجات، وفتحت قنوات تواصل مع الجمهور، وأعلنت عن تحمل المسؤولية الكاملة، هذا النهج ساعدالشركة على استعادة ثقة المستهلكين وإعادة بناءسمعتها. على النقيض، ذكر الكتاب أنموذجا آخر لماأسماه الفشل، يتعلق بأزمة بريتش بتروليوم والتيعقدتها تصريحات رئيسها التنفيذي غير المدروسة، خاصة محاولته التقليل من حجم الكارثة، ومماطلتهفي الإعلان عن تحمل المسؤولية الكاملة، كلها أمورأسهمت في تفاقم الأزمة وألحقت أضرارا جسيمةبسمعة الشركة.

 

 

وردت في الكتاب أيضا تنبيهات وتوصيات هامة، منها ما يتعلق بصياغة الأخبار، كونها تشكل وعيوفهم الجمهور من خلال الطريقة التي تقدم بهاالمعلومات، معتبرا أنه من الضروري المشاركة فيصياغة السردية حول الأزمة بدلا من ترك وسائلالإعلام تحدد الإطار بمفردها.

 

 

أشار الخبراء أيضا إلى أن الطابع الأخلاقيوالقيمي لا يجب أن يكون مجرد خيار استراتيجيفحسب، بل ضرورة وجودية، لأن الأزمات تكشفالطبيعة الحقيقية للقيادة والقيم المؤسسية، وأيمحاولة للتظاهر بطابع أخلاقي دون التزام حقيقيسرعان ما تنكشف وتزيد من حدة الأزمة، مؤكدا علىأهمية خلق بيئة مؤسسية تشجع على الصراحةوالتعلم من الأخطاء دون خوف من اللوم أو العقاب.

الأزمات جزء من الواقع بأي مؤسسة، مهما كانتتوجهاتها أو أهدافها، لكن طريقة الاستجابة لها هيما يحدد ما إذا كانت ستكون نهاية أم بداية جديدة، إن  المؤسسات التي تتبنى مبادئ التواصل الفعال، وتلتزم بالقيم الأخلاقية، وتتعلم باستمرار منتجاربها، يمكنها تحويل أكثر الأزمات خطورةوتعقيدا إلى فرص للتجديد والتطوير.

تصفح أيضا...