العهد حين يُختبر / المصطفى ولد الشيخ محمد فاضل

اثنين, 19/01/2026 - 11:33

مرض الرجل الجالس على كرسي الحكم، وغاب طويلًا حتى ظنّ الناس أن الغياب قد صار فراغًا. عندها تحرّكت الشهوات قبل المؤسسات، وتقدّم الطامعون خطوةً خطوةً نحو الرجل الآخر، صاحب القوة، صاحب القرار الفعلي. قالوا له إن الدولة بلا رأس، وإن الفرصة لا تنتظر، وإن التفريط في العهد في مثل هذه اللحظات ليس خيانة، بل «حكمة سياسية».

وكان التفريط ممكنًا.
وكان الطريق مفتوحًا.
وكانت القوة في يده كاملة.

لكنه اختار العهد.

ثبّت الحكم للرجل الغائب، لا لأن الظروف كانت ستمنعه، بل لأن ضميره كان يسبقه. وقف وحده تقريبًا في وجه الريح، يحرس شرعيةً لا صاحب لها في تلك اللحظة، ويمنع بلدًا كاملًا من الانزلاق. لم يكن بطلًا في الخطب، بل في الصمت، في المنع، في قول «لا» حين كان الجميع ينتظر «نعم».

ومع الوقت، لم تتوقف الاختبارات.
لم يكتفِ الضغط السياسي، بل امتدّ الاستهداف إلى أقرب الناس إليه. ضربات موجعة، قرارات قاسية، ورسائل واضحة: الردّ ممكن، والغضب مبرّر. ومع ذلك، صبر. لم يجعل من الألم ذريعة، ولا من القوة وسيلة انتقام. كان يعرف أن أول ردّة فعل قد تفتح بابًا لا يُغلق.

وكان بعض الجنرالات يدخلون عليه في أشدّ الغضب، صدورهم تغلي، وكلماتهم حادّة، ينتظرون إشارةً واحدة ليغيّروا مجرى التاريخ. لكنه لم يعطهم ما أرادوا. هدّأهم، احتواهم، أعادهم إلى مواقعهم، وأطفأ النار قبل أن ترى لهبها النور. كان يعرف أن الدولة لا تُبنى بانتصار لحظة، بل بصبر سنوات.

مرّت الأعوام، اثنتا عشرة سنة كاملة، لم تُسجَّل خلالها محاولة انقلاب واحدة، رغم كل ما كان يمكن أن يحدث. وحين أفاق الرجل المريض، لم يعد إلى دولة ممزّقة، بل إلى بلد واقف. بل إن الرجل الذي حمى الحكم في غيابه كان أول من نظّم له استقبالًا شعبيًا كبيرًا، وكأن الرسالة واضحة: نحن لا نغدر.

ثم دار الزمن دورته الأخيرة.
تقاعد صاحب القوة، ودخل السياسة من بابها، فاختاره الناس بإرادتهم. أمّا الآخر، فغادر الحكم تحت ضغط الدستور، الذي لا يسمح إلا بحدود واضحة. خرج مكرّمًا، بلا مطاردة ولا إهانة.

لكن العهد، كما يبدو، لا يُفهم عند الجميع بالطريقة نفسها.
لم يستطع الرجل الخارج أن يصبر أيامًا قليلة. عاد التأزيم سريعًا، وتحوّل الاضطراب إلى أسلوب.

وهنا تكتمل العبرة:
رجل واجه فراغ السلطة، والإغراء، والضغط، والأذى، فحفظ العهد.
ورجل لم يحتمل الصبر أيامًا قليلة بعد الخروج من الحكم.
الأول أثبت أن الوفاء اختيار لا ضعف،
والثاني أثبت أن العجلة قد تهدم ما لا يهدمه الخصوم.
المصطفى الشيخ محمد فاضل

تصفح أيضا...