
في سياق سياسي اعتادت فيه الساحة الوطنية أن تأتي الدعوات إلى الحوار نتيجة أزمات خانقة أو انسداد في الأفق، يبرز اللقاء الذي جمع فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد الشيخ الغزواني برؤساء الأحزاب السياسية وممثلي الطيف الوطني كخطوة لافتة في توقيتها ومنطلقها ومضامينها.
أول ما يميز هذا اللقاء هو اتساع دائرة المشاركة، حيث حرص فخامة الرئيس على إشراك جميع الفاعلين السياسيين دون إقصاء، بما في ذلك الأحزاب الجديدة والمرخصة حديثًا، مع توسيع الدعوة لتشمل أكبر عدد ممكن ،هذا التوجّه يعكس قناعة واضحة بأن الحوار الوطني لا يمكن أن ينجح إلا إذا شعر الجميع بأنهم ممثلون فيه وشركاء في صياغة مخرجاته.
كما عبّر فخامة الرئيس عن اهتمام جاد بالحوار الوطني، ليس بوصفه محطة عابرة، بل مسارًا يحتاج إلى تأسيس سليم ووضع ممهدات واضحة تضمن انطلاقه على أسس صحيحة، وقد لخّص هذه الرؤية في معادلة دقيقة مفادها أن سلامة البداية هي الضامن الحقيقي لنجاح النهاية.
وفي جانب بالغ الأهمية، توقف فخامته عند طبيعة هذا الحوار، مذكّرًا بأن الحوارات السياسية غالبًا ما تُفرض بفعل الأزمات وتأتي استجابة لمطالب المعارضة، بينما يأتي هذا الحوار بمبادرة من النظام نفسه ،وهي نقطة فتحت باب التأويل لدى البعض حول وجود أهداف خفية أو مكاسب سياسية محتملة، غير أن الرئيس كان حاسمًا في نفي ذلك، مؤكدًا أن الغاية الوحيدة هي مصلحة الوطن، دون أجندات أو حسابات ضيقة.
الأهم من ذلك، أن الرئيس نقل مسؤولية الحوار كاملة إلى المشاركين فيه، معتبرًا أنهم المؤتمنون على هذا الوطن، وهم من يملكون حق اقتراح الحلول والتصورات الكفيلة بتصحيح المسار ودفع عجلة التقدم، بحرية تامة ووفق احتياجات البلاد ،وفي المقابل، التزم بتطبيق ما يتم التوافق عليه، دون تدخل في التفاصيل أو توجيه للمخرجات.
وفي زمن السرعة والضغوط، شدّد فخامته على أنه غير مستعجل، وأنه يفضّل إعطاء الحوار الوقت الكافي لينضج ويثمر أفضل النتائج، بعيدًا عن الإملاءات والضغوط، إيمانًا بأن القضايا الوطنية الكبرى لا تُدار على عجل.
إنها مقاربة مختلفة للحوار الوطني، تقوم على الشمول، والثقة، وتحمل المسؤولية المشتركة، وتضع الجميع أمام اختبار حقيقي: هل نملك القدرة على استثمار هذه الفرصة التاريخية بما يخدم الوطن أولًا؟
المهندسة : ام الخيري المصطفى اخليفه

