نحو نهوض الجنوب العالمي في مواجهة الغطرسة / دحان ولد الطالب عثمان

سبت, 03/01/2026 - 14:38

 

إن السلوك المتغطرس للولايات المتحدة، ولا سيما خلال عهد ترامب، يؤكد مرة أخرى، إن كان ثمة حاجة إلى ذلك، أن القوى العظمى لا تعرف حدودا ولا تتورع عن تجاوز أي وازع أخلاقي حين يتعلق الأمر بإشباع طموحاتها الهيمنية ونزعاتها الجامحة للسيطرة. وما يميز ترامب في هذا السياق هو أن هذا الطاغية لا يتكلف المجاملة ولا يرتدي القفازات حين يقدم على مثل هذه الممارسات.

ويكشف التاريخ القريب كيف عمدت هذه القوى إلى صياغة وتنفيذ عقائد واضحة الشبهة  لتبرير تجاوزاتها. فقد رأيناها، تحت ذرائع شتى، تبتدع وتطبق تباعا مفاهيم عبثية من قبيل الضربات الوقائية، والحروب الاستباقية، ومنطق الحرب، و«حق التدخل»، و«أمريكا أولًا»، وما إلى عاد ذاك من المبررات الواهية، بغية احتلال دول ذات سيادة، وتدميرها، وفرض العقوبات عليها، والتدخل السافر في شؤونها الداخلية دون أدنى حرج.

ومن ثم فقد اتضح أن هذه العمالقة الاقتصادية والعسكرية، المدفوعة بعطش لا حدود له للهيمنة، لن تتردد في انتهاك القواعد الدولية والمبادئ الأخلاقية، وقد يقتضى الأمر اختراع مفاهيم جديدة، مثل «الإكراهات الاستراتيجية»—لإضفاء ما يشبه مسحة من الشرعية على تجاوزاتها، إن كان قد تبقى لديها أصلا أي حرص على اللياقة أو على الحفاظ على وهم نظام عالمي مقبول.
وفي خضم هذا السباق المحموم نحو الهيمنة، يتحول العالم إلى ساحة صراع مفتوحة تتنازع فيها القوى الكبرى مناطق النفوذ والموارد الطبيعية. أما شعوب البلدان المستضعفة، وقد اختزلت إلى مجرد بيادق على رقعة الشطرنج الدولية، فتدفع الثمن الباهظ في ميادين صراع العمالقة.

 

وقد بات جليا أنه، بالوتيرة التي تسير بها الإنسانية، يوشك العالم أن يحكم بأسوء من قانون الغاب، إذ إن سلوك الحيوانات، على قسوته، تُلطفه نسبيا منظومة بيئية طبيعية تضمن بقاء الأنواع، بينما العالم الذي نتجه إليه، أو ربما بلغناه بالفعل، يفتقر إلى أي كابح أخلاقي أو ضابط إنساني مماثل.

وأمام هذه الظرفية بالغة الخطورة، لا خيار أمام الجنوب العالمي سوى كسر سباته، وتجاوز تناقضاته، والتغلب على خموله، تمهيدا لتولي زمام مصيره، ولو جزئيا. لقد باتت الوحدة والمقاومة الجماعية ضرورة ملحة، قبل أن يتلاشى ما تبقى من الضمير الإنساني ويختل توازن القوى إلى غير رجعة، إن لم يكن قد فات الأوان فعلا. لم يعد هناك متسع للانقسامات، فلا مجال في المرحلة الراهنة إلاا للتضامن الاستراتيجي في مواجهة نظام يكرس استغلال الأمم المستضعفة وازدراءها بوقاحة متزايدة.

دحان الطالب عثمان

تصفح أيضا...