
ثمة أسئلة لا تشيخ لأنها لا تُطرح لتُجاب مرةً واحدة، بل ليُعاد تحيين الجواب عنها مع كل جيل. وأبرزها سؤالٌ طُرح في أطار قبل نحو سبعة عقود، ثم أعاد فخامة رئيس الجمهورية طرحه قبل أيام، في مستهل زيارة العمل التي أدّاها لولايتي آدرار وإينشيري. وقد تابعتُ هذه الزيارة بمسؤولية المستشار ووجدان المواطن، وكلاهما معنيٌّ بمآلات الوطن، فبدا لي أن هذا السؤال هو ما يمنح الزيارة معناها الأعمق، أكثر من البرامج والأرقام على أهميتها. ففي ثناياه رؤيةٌ للدولة تصل حاضرها بذاكرتها، وتسائل نفسها عن المستقبل الذي تريده.
ففي أطار، وأمام حشود آدرار، استحضر فخامة الرئيس خطاباً ألقاه الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، رحمه الله، في المدينة نفسها قبل الاستقلال بثلاث سنين، يوم كان الوطن فكرةً تتلمّس ملامحها وكان المؤسس يطرح من أطار سؤالاً موجّهاً إلى الموريتانيين جميعاً: أيَّ موريتانيا يريدون؟ وبين الخطابين تغيّر الكثير: صارت الفكرة دولةً، وتضاعف عدد سكانها، وغدا أغلبهم شباباً أكثر تعليماً وانفتاحاً وتطلعاً. غير أن المكان واحد والسؤال واحد، وتلك مصادفةٌ لا يصنعها إلا وعيٌ بالتاريخ.
ولهذا الاستحضار دلالةٌ تتجاوز ظاهره؛ فالحاضر فيه امتدادٌ للماضي لا قطيعةٌ معه، وقد أثنى فخامة الرئيس على جهد الأجيال المتعاقبة من قادة البلاد. وليست هذه الرؤية وليدة اللحظة، فقد أعلنها منذ خطاب ترشحه سنة 2019 حين أكد أن كلاً من أولئك القادة «وضع لبنة ما، بحجم ما، لتشييد هذا الصرح الذي لا ينتهي العمل فيه». وهي الرؤية نفسها التي يقررها فقه القانون العام في مبدأ استمرارية الدولة: فالدولة شخصٌ معنويٌّ دائم يتجاوز الأفراد في وجوده، وتنتقل التزاماته ومكتسباته من مرحلةٍ إلى أخرى. فما يُبنى على القطيعة يظل محدود الأثر، وما يُبنى على الاعتراف يغدو ذخراً للمستقبل.
ومن يصل حديثه بالمؤسس لا يطرح السؤال ليهدم ما بُني. لذلك حرص فخامة الرئيس في خطاب أطار على أن يحدّد للسؤال إطاره وضوابطه، فجعل تعريف الوطن، وأسسه ومبادئه الجمهورية، وهويته الثقافية والحضارية خارج دائرة المراجعة. وتلك ثوابت أشبه في منطق القانون بالقواعد الآمرة التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، وما عداها مفتوحٌ للاجتهاد. وبذلك يكتسب الحوار الوطني المرتقب توازنه: حوارٌ لا تحدّه محظورات ولا تُوجّهه إملاءات، لأن الثوابت التي يقوم عليها تحميه ولا تقيّده. وغايته، كما حدّدها فخامة الرئيس، تقوية لحمة المجتمع، وترسيخ رباط المواطنة، وجعل المؤسسات أكثر انسجاماً وفعالية.
وفي محطات آدرار التي تلت أطار نزل السؤال من أفق الفكرة إلى تفاصيل الحياة: المدرسة وذاكرة المخطوطات، والمدن الداخلية التي يُراد لشبابها أن يجدوا فيها عملاً لا تذكرة سفر، والواحات التي تنتظر إصلاحاً وطرقاً تفكّ عنها العزلة. وفي ذلك كله يتردّد سؤالٌ بعينه: كيف يصبح الانتماء إلى المكان فرصةً للمستقبل لا سبباً للبحث عنه بعيداً؟
أما في إينشيري فقد اتّسع أفق السؤال من الداخل إلى الخارج، ومن الإمكان إلى الإنجاز. ففي أكجوجت توقّف فخامة الرئيس عند مكانة البلد ورصيد الثقة الذي بناه في محيطه وفي العالم، في زمنٍ تتراجع فيه التعددية وتواجه فيه المنظمات الدولية صعوباتٍ متزايدة في الاضطلاع بمهامها. وميّز، بلغة من يعرف حجم الصعوبات ولا يهوّن منها، بين الثراء بالقوة والثراء بالفعل: بين مقدّراتٍ هائلة تؤهّل البلد للثراء وتحويلها إلى رخاءٍ يلمسه المواطن في معيشته وخدماته. وكم من بلدٍ في العالم امتلك الثروة ولم يعرف الرخاء! وهي ثنائية عرفها الفكر منذ أرسطو وابن رشد، لكنها تغادر هنا قاعات الدرس لتصير ركيزة برنامج «طموحي للوطن» بشروط معلنة: أمنٌ مستقر، وبنى تحتية متطورة، وموارد مالية معبّأة، وشراكات متنوعة. وهنا يلتقي الداخل بالخارج، وتلتقي ذاكرة الدولة بمستقبلها، عند سؤالٍ جامع: كيف نبني وطناً يتسع لأجياله، ويصون مكتسباته، ويمنح الحاضر حقه في التطوير، ويترك لمن بعده ما يستحق أن يُبنى عليه؟
ومن هنا لم يكن استدعاء خطاب الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، رحمه الله، احتفاءً بالماضي فحسب، بل كان تأكيداً أن الدولة ليست ما تنجزه سلطةٌ في زمنها، وإنما ما تراكمه أجيالٌ متعاقبة في ذاكرة وطنٍ واحد. لقد طُرح السؤال في أطار مرتين، وبينهما عمرُ دولة. وهو اليوم لم يعد سؤالَ من طرحه وحده، بل صار أمانةً في أعناقنا جميعاً؛ فكل جيل لا يرث وطناً مكتملاً، وإنما يرث ما بناه من سبقه، ويُسأل عمّا يتركه لمن بعده.

