
1. حادثة عابرة أم أزمة مفتعلة؟
ما إن انقطع الإمداد عن بعض محطات البنزين ليوم واحد، حتى اندفعت حملة من المثبطين وخرّاصي الأحاديث، تجوب الفضاء العام بخطاب تهويلي، يروّج أن الدولة توقفت، وأن البلاد دخلت أزمة شاملة على جميع الأصعدة. والحال أن ما جرى لا يرقى إلى مستوى الأزمة، بل هو ظرف طارئ جرى تضخيمه عمدًا، إمّا بدافع الجهل أو بسوء النية.
2. الوقائع كما هي، لا كما يُراد لها أن تُروى
السبب الحقيقي لانقطاع الإمداد كان أحوالًا جوية حالت دون رسو الباخرة في موعدها. وهو أمر وارد في بلد يستورد مواد الطاقة، ويخضع لاعتبارات البحر والمناخ. ومع ذلك، لم تنتظر الجهات المعنية وصول الباخرة، بل سارعت إلى تزويد المحطات من البدائل المتاحة، وبسرعة لافتة، تؤكد أن منظومة الطوارئ قائمة، وأن القرار يُدار بعقلانية لا بانفعال.
3. سرعة التدخل دليل جاهزية لا ارتباك
عودة التزويد قبل رسو الباخرة المقررة يوم الاثنين، ليست تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر واضح على أن البدائل موجودة، وأن الدولة لا تترك السوق نهبًا للفراغ أو الإشاعة. فلو كنا أمام أزمة حقيقية، لما أمكن احتواؤها في هذا الزمن الوجيز.
4. الضجيج أخطر من الانقطاع نفسه
البلاد لم تتوقف، والمؤسسات لم تُشل، والحياة العامة لم تدخل حالة شلل. الذي حدث هو توقف جزئي ومؤقت، جرى تحويله إعلاميًا إلى “كارثة وطنية”. وهنا يتأكد أن الخطر لا يكمن في العارض، بل في من يستثمر فيه لبث الخوف وتقويض الثقة.
5. سؤال الأخلاق قبل سؤال الإمداد
السؤال الأهم الذي ينبغي طرحه ليس: لماذا تأخر التزويد ساعات؟
بل: كيف يقبل مواطن يدّعي حب بلده، ويعلم أن مواد الطاقة تُستورد بالعملة الصعبة، أن يقوم بتهريب المخزون إلى خارج البلاد؟
فالتهريب ليس مجرد مخالفة قانونية، بل اعتداء مباشر على الاقتصاد الوطني، ومساهمة متعمدة في تعميق أي وضع طارئ.
6. الجشع حين يتحول إلى عامل ضغط
في مثل هذه اللحظات، يظهر وجه آخر للأزمة، لا تصنعه الدولة ولا الطبيعة، بل تصنعه النفوس الضعيفة. فالجشع، حين يُطلق له العنان، يحوّل أي خلل محدود إلى اختناق مصطنع، ويضاعف معاناة المواطنين بلا مبرر.
7. الدولة والمجتمع: شراكة في الاستقرار
الدولة مطالبة بالجاهزية، وقد أثبتت في هذا الظرف أنها تمتلك البدائل وسرعة التدخل. لكن المجتمع أيضًا مطالب بالمسؤولية، لأن الاستقرار لا تحميه القرارات وحدها، بل يحميه وعي المواطنين، وصدق الانتماء، وتقديم المصلحة العامة على الربح السريع.
8. خلاصة الموقف
لا تُقاس قوة الدول بغياب الطوارئ، بل بقدرتها على إدارتها دون ارتباك، وبقدرة مجتمعها على عدم تحويل العارض إلى فزاعة.
والخلاصة الواضحة أن البلد بخير، وأن الإمدادات عادت، وأن الإشكال الحقيقي ليس في الباخرة التي تأخرت، بل في الأصوات التي سارعت إلى إعلان الانهيار، وفي السلوكيات التي رأت في الظرف فرصة للجشع لا للاصطفاف الوطني.
*“ربّ عارضٍ صُغِّر فعُولج، وربّ تهويلٍ كُبِّر فأ ربك… والفرق بينهما وعيٌ لا يُشترى.”
المصطفى الشيخ محمد فاضل

