مشكلة الديون الكويتية المستحقة على موريتانيا: احتمالات الانفراج (3) سيد احمد ابوه

اثنين, 14/06/2021 - 21:18

لننطلق في هذا الجزء الأخير من سلسلة التدوينات حول هذا الموضوع من نقاط مرجعية تؤسس لما بعدها واستسمحكم مسبقا فقد تطول هذه التدوينة كونها خاتمة سابقاتها.
لفخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني فرصة حقيقية الآن لحل هذا المعضل بشكل نهائي فمحدثيه في الموضوع (الدائنين) يعلمون أن نظامه لمّا يصل بعد لمنتصف مأموريته الأولى وهذا في حد ذاته مطمئن بالنسبة لمصداقية التعهدات التي ستقطع في هذا الملف، ثم إن الكل يتوسم فيه إلمامًا بالموضوع وآثاره على تنمية ومصداقية البلد ومن الوارد جدا أنه لو لم تكن جائحة كورونا لتكفلت السلطات بإثارة الملف جديا منذ بداية المأمورية.
اليوم تدفع موريتانيا بكفاءتين من أبرز كفاءاتها لمعالجة هذا الإشكال فوزير المالية إضافة إلى كفاءته المشهودة ملم أيضا بشكل جيد بإشكال المديونية بشكل عام وبتفاصيل هذا الملف على وجه الخصوص كما أن وزير الخارجية وهو المفاوض الصبور والديبلوماسي المحنك يتمتع بشبكة علاقات واسعة في المنطقة لن يتردد في توظيفها للخروج من هذا الإشكال.
لكل مدين الحق حين يواجه ظروفا صعبة في التوجه لمطالبيه ملتمسا أخذ تلك الظروف في الاعتبار والتصرف على ذلك الأساس كما أن لغالبية الدائنين الاستعداد للتفاعل إيجابيا مع طلبات المدين والقيام بما يسمى بادرة حسن نية في الموضوع.
الحلول الممكنة:
نقطة البداية لا يمكن أن تكون إلا بتوثيق مناخ الانفتاح والمرونة حول تعاطي الطرفين مع الموضوع وما سينتج عن ذلك من ضبط لمبلغ الدين بطريقة توافقية لن يتخلف دائنونا عن مواكبتنا فيها بالاستعداد لشطب بعض المتأخرات من الفوائد ورفع اللبس عن مفهوم المشمول في أصل الدين واعتماد جدولة لسداد ما تم الاتفاق عليه شريطة الدخول في مسار التسوية وحين يتم حل هذا البند فما سيبقى لن يكون إلا تفاصيل عملية ستتكفل بها الهندسة المالية-الاقتصادية كما سيرد أدناه لطي الموضوع كمشكل وإدخاله في دورة الدين التقليدية كأي دين آخر. 
الاستثمار كخيار لا مناص منه:
تحويل الديون إلى استثمارات وأصول إنتاجية ليس بالأمر الجديد في المالية خاصة ما يتعلق منها بمديونية البلدان وإليكم ما بتقديري أنها سُبُلٌ ممكنة وضامنة للفائدة للبلد ارتباطا بهذا الموضوع:
قطاع الاتصالات: من شبه المتفق عليه في موريتانيا هو انطباع الجميع عن رداءة خدمات الاتصال وغلائها واستنزافها المستمر لجيوب المواطنين وللاقتصاد الوطني، طبعا لذلك أسباب منها عدم شفافية منح الرخص للفاعلين الثلاثة الحاليين وغياب شبه تام لسلطة التنظيم وعجزها عن وقف الفوضى في هذا القطاع ولكن تلك الأسباب ليست موضوعنا الآن، بل الموضوع هو الدين الكويتي. شركة زين (Zain) الكويتية للاتصالات هي شركة دولية حاضرة في بلدان الشرق الأوسط وشرق ووسط إفريقيا وهي رابع شركة اتصالات في العالم من حيث فروع البلدان وسيكون مربحا لموريتانيا منحها رخصة استغلال وتشغيل في قطاع الاتصالات (الهاتف والانترنت) في إطار هندسة الحل، سيضفي ذلك منافسة على السوق المحلي لفائدة المواطن والاقتصاد، إتاوة الرخصة لن تقل عند المنح عن 150 مليون دولار مع الآثار الأخرى الإيجابية على التشغيل. لا ينبغي هنا التحجج بأن شركة زين هي شركة مساهمة ومستقلة عن الدولة الكويتية ففي الكويت سوق للأوراق المالية ويسهل عندئذ تحويل ديون الدولة وأصولها لسندات وأصول للغير.
قطاع النفط والغاز: موريتانيا حديثة العهد بهذا القطاع وتنقصها الخبرات والكفاءات في التفاوض والرقابة والإشراف والاستغلال والتسويق في حين أن الكويت التي يساهم هذا القطاع ب 90% من مداخيلها تملك عملاقين على المستوى العالمي ، شركة نفط الكويت (Kuwait Oil Company) التابعة لمؤسسة البترول الكويتية (Kuwait Petroleum Corporation) والتي تأسست سنة 1934 أي ربع قرن قبل تأسيس الكويت المستقلة وتشتغل في الاستكشاف والإنتاج وتصفية ونقل البترول، هنا لبلادنا مصلحة أكيدة وقابلة للتنفيذ إما بالتخلي عن جزء يسير من حصتنا في حقل السلحفاة والهدف مزدوج سنسعى من خلاله إلى عدم انفراد عمالقة النفط بخبرائنا الذين، مع احترامي لمؤهلاتهم ولوطنيتهم، لا تزال تنقصهم الخبرة في القطاع وهو أمر طبيعي لغياب تاريخ للقطاع بالبلد ومن ناحية أخرى تحرير رأس مال سيساعدنا في تسوية بعض مستحقات الدين المعضلة وتعبئة مساهمة بلادنا في المرحلتين الثانية والثالثة من حقل السلحفاة-آحميم بدل قبول عرض BP بتسبيقة بشروط مجحفة بعنوان تعبئة مساهمة البلد يتم اقتطاعها من حصتنا ومن إيرادات الانتاج. يمكننا أيضا عرض مصفاة انواذيبو للتكرير على الإخوة الكويتيين الذين في حالة قبولهم سيستثمرون لإعادة تهيئتها واستخدامها نقطة ارتكاز لتسويق منتجاتهم نحو إفريقيا.
قطاع الزراعة والتنمية الحيوانية والصيد: تمتد دولة الكويت على مساحة 17818 كيلومتر مربع أي تقريبا ثلث مساحة أصغر ولايات موريتانيا (اينشيري 47000 كيلومتر مربع) وهذا الواقع إضافة لتطور الصناعة الاستخراجية جعل من البلاد مستوردا صافيا لكل الحاجيات من مواد غذائية سواء منتجات الزراعة أو اللحوم الحمراء (المستوردة من استراليا وتونس). بالإمكان هنا منح أراضي كافية بالضفة لمستثمرين كويتيين عموميين أو خصوصيين لتطوير مشروعات زراعية واعدة تستفيد منها بلادنا ودولة الكويت وتشغل الآلاف من العمال وتعين على ضمان الاكتفاء الذاتي لموريتانيا ومكننة الزراعة بوسائل انتاج وتقنيات حديثة لكن لابد قبل التفكير في هذا المعطى من حل جذري للإشكالية العقارية بالبلد وقد حان الوقت لذلك. وفي جانب تصدير اللحوم للكويت فلبلادنا مزايا تفضيلية كونها تحوي ثروة حيوانية هائلة وغير مستغلة بما فيه الكفاية وقطعا موريتانيا أقرب جغرافيا بحوالي نصف المسافة للكويت من استراليا. وفي قطاع الصيد لماذا  لا نفكر في استقدام الكويتيين عبر شراكات مثمرة ورخص للولوج للثروة كنا منحناها للصينيين وللاوربيين في استنزاف غير مسؤول لثروتنا البحرية مقابل فتات تمويلات سنوية لا تسمن ولا تغني من جوع.
قطاع النقل البحري: لا يمكننا تطوير انواذيبو ومن خلاله الاقتصاد الموريتاني إلا ببناء ميناء بالمياه العميقة وهو مشروع انتهت دراساته الممولة من البنك الدولي سنة 2016 حيث كان صاحب هذه الصفحة من مركزه الوظيفي وقتها منسقا لتلك الدراسات مع المكاتب الدولية التي اشتغلت عليها، قد تكون الفرصة هنا مواتية مع الأشقاء الكويتيين لمنحهم فترة استغلال محدودة تعود أرباحها للبلد مقابل تكفلهم بمصاريف بناء المنصة المينائية والتي ستبقى ملكا لموريتانيا بعد انتهاء فترة الاستغلال ذلك أن الحل الذي تمت دراسته مع الصينيين قبل أربع سنوات يحمل مخاطر مالية وتقنية أسوأ من تلك التي حملها الدين الكويتي موضوع النقاش حاليا.
خلاصة هذه التدوينات أن حل هذا الإشكال ممكن بتوافر حسن النوايا والاستعداد لعدم تكرار مثل هذه الهفوات علما أنني لا أخفيكم تخوفي الكبير من كارثة قادمة عنوانها قروض بنكي الصين والهند للصادرات والواردات وهي قروض اقترضتها موريتانيا منذ 2012 وبشروط كانت دائما الليبور + 2% أو 2,5 % وفي بعض الأحيان + 1,75% فكيف سيكون حالنا حين يعود الكساد والتأزيم للاقتصاد العالمي ويقفز الليبور إلى مستويات عالية وقتها سندرك حجم المعضلة الحقيقية  وسنفهم وغيرنا من إخوتنا الأفارقة أن الأشقاء الكويتيين ليسوا كالصينيين والهنود. لا يمكنني هنا أن أختم قبل أن أسجل استغرابي لعدم وجود ناطق واحد باللغة العربية في سلسلة قيادة الاقتصاد وترقية الاستثمار بالبلد فماهي الرسالة التي  سعينا توصيلها من خلال هذا القرار للأشقاء العرب. شخصيا لست ممن يعيرون اهتماما للجدل حول اللغة في بلادنا فكل المواطنين الموريتانيين يستحقون التوظيف في بلادهم حسب كفاءاتهم ولكن هناك عقلانية مطلوبة في طبخ بعض القرارات وللعلم فإن مساهمة كل مؤسسة تمويلية إسلامية أو عربية في تنمية موريتانيا منذ استقلالها تفوق المساهمات المجتمعة للمؤسسات الغربية وقطعا ليس من اللائق اللجوء للترجمة في التعاطي مع رؤساء وفنيي مؤسسات التمويل العربية والإسلامية.
أملي أن يعود مفاوضونا باتفاق وليس بمذكرة تفاهم فهذه الأخيرة لا تؤسس حقا ولا يمكن المحاججة بها أمام أي جهة تحكيم.
سعدتُ كثيرا بتفاعلكم وتأسفت أكثر لعدم توفر ما يكفي من وقت للتفاعل مع مختلف التعليقات والأسئلة.