سر السحابة البيضاء.. كيف تفسر الكيمياء انفجار مرفأ بيروت؟

خميس, 06/08/2020 - 11:36

لطالما صورت لنا وسائل الإعلام أن السحابة الهائلة التي تشبه فطر المشروم هي العرض الرئيسي لانفجارات القنابل النووية، الأمر الذي قفز إلى أذهاننا فجأة بالأمس مع انتشار فيديوهات انفجار منطقة مرفأ بيروت، بدأ الأمر بخروج سحب دخانية أولية كثيفة من المنطقة ما دفع الكثير من المواطنين لتوجيه هواتفهم ناحية المرفأ، ثم في لحظة واحدة انطلقت كرة كثيفة من الدخان الأبيض تحولت في اللحظة التالية إلى سحابة المشروم الشهيرة.

 

كان الانفجار هائلا حقا لدرجة أن أثره امتد لدائرة قُطرها كيلومترات عدة حول منطقة الانفجار، وصرّح محافظ بيروت أنه دمّر نصف المدينة، بل كانت هناك إشارات أن الناس في قبرص(1)، على مسافة أكثر من 200 كيلومتر، قد شعروا بالانفجار! إلى الآن نعرف أنه تسبّب في وفيات أكثر من 100 شخص مع عدة آلاف من المصابين، أما رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون فقد دعا(2) إلى اجتماع طارئ لمجلس الدفاع الأعلى والذي أصدر توصيات لمجلس الوزراء كان منها إعلان بيروت "مدينة منكوبة" وإعلان حالة الطوارئ لمدة أسبوعين.

 

لكن على الرغم من كل ذلك، فإن ما حدث في بيروت لم يحمل بعض الصفات الأساسية المهمة للانفجارات النووية، والتي عادة ما تشتمل(3) على وميض أبيض لامع جدا وحرارة شديدة للغاية كفيلة بإشعال الكثير من الحرائق في دائرة واسعة حول الانفجار، كذلك فإن السحابة المشرومية في حالة الانفجارات النووية عادة ما تمكث لفترة من الزمن، أما هذه فقد اختفت فورا.

 

السحابة التي تُشبه المشروم ليست سمة مميزة للانفجارات النووية فقط(4)، ولكنها سمة مميزة لأي انفجار قوي كفاية في العموم، تحدث هذه السحابة بسبب ما نعرفه باسم "حالة عدم الاستقرار لرايلي5 تايلور" (Rayleigh-Taylor Instability)، وتعني أنه إذا تحرك سائلان ذوا كثافة مختلفة عن بعضهما بعضا، فإن ذلك يُنتج شكل المشروم المميز.

في الواقع، فإنك لو ركزت قليلا في أثناء إضافة اللبن للشاي الساخن فستلاحظ، لوهلة قصيرة، أن اللبن يصنع شكل مشروم أسفل الكوب فور سقوطه، ولو قررت إسقاط بضع نقاط من مادة ملونة في الماء فإن قطراتها ستفعل الشيء نفسه.

 

في حالة الانفجارات الهائلة، تنتج حرارة شديدة جدا في مركز الانفجار ترفع حرارة الهواء المحيط بها بشدة فيصبح أقل كثافة، ومع الضغط الشديد للانفجار ينطلق هذا الهواء في شكل كرة تتضخم بسرعة شديدة، ولكن لأنها أقل كثافة من الهواء المحيط الذي يضغط عليها من الجوانب فإنها تخترقه صاعدة للسماء، الأمر الممكن بالنسبة لها لأنها أقل كثافة، ومع صعودها تصبح أبرد، فيقاوم الهواء بالأعلى هذا التيار القادم من الأسفل ويقوم بتسطيحه، الأمر الذي يصنع شكل المشروم الشهير.

لكن يبقى أننا متأكدون من شيء واحد رئيسي، وهو أن ما يصنع هذه السحابة المشرومية لا بد بالفعل أنه انفجار هائل حقا، وكان رئيس الوزراء اللبناني قد أشار(6) إلى أن أحد المستودعات المحيطة احتوى على كمية من نترات الأمونيوم مقدارها 2750 طنا، مخزنة هناك منذ نحو ست سنوات، وكانت السبب في هذا الانفجار الهائل.

 

 

نترات الأمونيوم(7) (NH4NO3) هو مركب بلوري عديم اللون، يُستخدم بشكل أساسي في الأسمدة الزراعية لأنه قادر على تغذية النباتات بالنيتروجين الذي تحتاج إليه، مركب نترات الأمونيوم تحديدا رخيص وفعال مقارنة بمنتجات النيتروجين الأخرى، لذلك عادة ما يُستخدم زراعيا، لكن إلى جانب ذلك فإنه يُستخدم في صناعة المتفجرات، بشكل خاص في حالة التعدين.

 

كذلك فإنه قد رُصِد من قبل استخدام هذه المادة لأغراض إرهابية، على سبيل المثال، استُخدم مركب نترات الأمونيوم في حادث تفجير(8) مبنى ألفريد مورا الفدرالي في وسط مدينة أوكلاهوما بالولايات المتحدة في 19 إبريل/نيسان 1995، أودى الحادث بأرواح 168 شخصا وأُصيب 680 آخرين ودمّر ثلث المبنى. لغرض إحداث هذا الانفجار استخدم كلٌّ من تيموثي مك فاي وتيري نيكولز شاحنة مليئة بالمتفجرات ونترات الأمونيوم.

 

أمثلة أخرى تتضمّن انفجار منطقة كوتا السياحية في جزيرة بالي(9) الإندونيسية، الهجوم الذي اعتُبِر الأكثر دموية في تاريخ إندونيسيا، والذي أسفر عن مقتل 202 شخص، كذلك انفجار(10) محكمة ديلهي العليا في عام 2011 وانفجار 2013 في حيدر أباد(11) بالهند أيضا، بالطبع سبب استخدام هذه المادة للأعمال الإرهابية بسيط، فهي متوفرة في الأسواق ولا يوجد قانون يتعامل معها كمتفجرات.

 

في حالة تعرُّضه للحرارة المستمرة، فإن نترات الأمونيوم ينحل(12) إلى أكاسيد النيتروجين وبخار الماء، هذه الأبخرة التي تنطلق في موجة انفجارية تُقدَّر سرعتها بـ 2500 متر في الثانية هي السبب في الانفجار وليس احتراق نترات الأمونيوم نفسه، أكسيد النيتروجين الخارج من هذا التفاعل يكون أحمر اللون(13)، الأمر الذي  يمكن أن نربطه بانفجار بيروت، فبعد موجة الانفجار الأولى ظهرت سحب كثيفة حمراء إلى بنية حمراء من موضع الانفجار، ما يُشير إلى أن التصريحات الأولية عن سبب الانفجار أقرب للصحة، لقد كان نترات الأمونيوم.

 

هل كان حادث مرفأ بيروت إرهابيا مثل هذه الحوادث التي ذكرناها منذ قليل؟ هذا محتمل، فعلى الرغم من أن نترات الأمونيوم مادة تُستخدم في صناعة المتفجرات، فإنها تحتاج إلى ظروف مناسبة للانفجار، يجب أن يقوم أحدهم بالإشعال، وكذلك عادة ما تكون مختلطة بمواد بترولية لتسهيل اشتعالها، يشتعل نترات الأمونيوم فقط عند 210 مئوية، لكن ما إن تُوقف النار حتى يتوقف الاشتعال، لا بد أن تكون هناك ظروف تساعد الانفجار على الدخول في سلسلة لا تتوقف من التفاعلات.

 

لكن على الجانب الآخر، فإنه أيضا قد يكون مجرد حادث لا علاقة له بالإرهاب، هذه ليست أول مرة يحدث ذلك، في الواقع كان الحادث الصناعي الأكثر كارثية(14) في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية متعلقا بنترات الأمونيوم، بدأ الأمر في الثامنة من صباح يوم 16 إبريل/نيسان 1947، إنه في ميناء ولاية تكساس الأميركية، لاحظ العمال أبخرة متصاعدة من أحد المخازن فقاموا باستدعاء المطافئ التي حضرت سريعا.

 

لم تهدأ النيران بسرعة، وقبل أن يتمكّن أحد من إطفاء الحريق وصلت إلى مخازن نترات الأمونيوم وكانت تحتوي على 2300 طن من هذه المادة، تسبّب ذلك في انفجار هائل تبعته عدة انفجارات أخرى في السفن المجاورة والتي احتوى بعضها على نترات الأمونيوم والبعض الآخر على مواد بترولية، صُنِّف هذا الحادث وقتها كأكبر انفجار غير نووي في التاريخ، أصاب الآلاف وقتل نحو 600 شخص.

 

الجزيرة نت

تصفح أيضا...