غرائب قصص اكتشاف الأدوية.. الفياغرا والبنسلين والليثيوم

أربعاء, 05/08/2020 - 12:03

كثير من الأدوية لم تخترع عن سبق إصرار، وجاء اكتشافها صدفة، لينطبق عليها المثل القائل "رب صدفة خير من ألف ميعاد"،  ونتعرف في هذا التقرير على قصة 3 أدوية اكتشفت بالصدفة، وهي الفياغرا والبنسلين والليثيوم.

الفياغرا.. من القلب إلى ضعف الانتصاب

وصُنع الفياغرا من قبل مجموعة من الكيميائيين الصيدلانيين العاملين في شركة فايزر بإنجلترا. ودرس الباحثون في البداية استخدام هذا العقار لعلاج ارتفاع ضغط الدم والذبحة الصدرية، وأجريت أول تجارب سريرية بمستشفى موريستون في سوانسي بالمملكة المتحدة.

واكتشفت فعالية الفياغرا لعلاج ضعف الانتصاب بالصدفة، فقد كان الباحثون في البداية يدرسون بهدف علاج مشاكل القلب والأوعية الدموية، حيث كان من المفترض أن تمدد الأوعية الدموية في القلب عن طريق منع بروتين معين يسمى "بي دي إي-5" (PDE-5) في الاختبارات على الحيوانات.

وعند إجراء الاختبارات على الحيوانات بدا أن "سايلدنفيل" يعمل جيدا، حيث وجد الباحثون دليلا على أنه يعوق "بي دي إي-5″، ولم تكن هناك أي آثار جانبية سلبية واضحة على الحيوانات.

لذلك تم إدخال سايلدنفيل في التجارب السريرية على البشر في أوائل التسعينيات، لكن الخبر السيئ كان أن النتائج الأولية أظهرت أن للدواء تأثيرا ضئيلا على الذبحة الصدرية.

أما الخبر الغريب فكان ما لاحظته الممرضات اللواتي يشرفن على الرجال المشاركين في الدراسة، حيث قال جون لاماتينا (كان رئيس قسم الأبحاث والتطوير في شركة فايزر أثناء إجراء هذا البحث) إن الممرضات لاحظن أنه عند فحص الرجال كان كثيرون منهم يستلقون على بطونهم، وكانوا محرجين لأنهم كانوا يشعرون بانتصاب.

وتبين أن الأوعية الدموية المتوسعة لم تكن في القلب بل في القضيب، ولأن توسع الأوعية الدموية جزء أساسي من العملية التي تقود للانتصاب فكانت النتيجة مذهلة، فقررت شركة فايزر تسويق هذا الدواء لعلاج ضعف الانتصاب، وليس للذبحة الصدرية.

سجلت براءة الاختراع عام 1996، وتمت الموافقة على استخدامه في علاج ضعف الانتصاب من قبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية في 27 مارس/آذار 1998، ليصبح أول علاج عن طريق الفم لعلاج ضعف الانتصاب في الولايات المتحدة.

وأصبح الفياغرا أحد أكبر النجاحات في تاريخ الصناعات الدوائية، فقد وصلت مبيعاته السنوية عام 2008 إلى 1.934 مليار دولار، ومنذ عام 2012 تنفق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا نحو 1.4 مليار دولار سنويا.

 

البنسلين.. صدفة من العفن

عام 1928، لاحظ العالم ألكسندر فليمنغ بالصدفة أن العفن قادر على التصدي لنمو الميكروبات المسببة للأمراض، وهو اكتشاف أدى في وقت لاحق إلى اختراع أول مضاد حيوي؛ البنسلين.

وقالت الكاتبة سيلفي لوجون، في تقرير نشرته صحيفة "لوتون" (letemps) السويسرية إن هذا المثال الأكثر شهرة عندما يتعلق الأمر بالاكتشافات التي أتت عن طريق الصدفة. ونحن مدينون لألكسندر فليمنغ باكتشاف البنسلين، الذي افتتح عصر المضادات الحيوية، ومكن هذا العالم من الفوز بجائزة نوبل في الطب أو علم وظائف الأعضاء عام 1945.

في سبتمبر/أيلول 1928، في مستشفى سانت ماري في بادينغتون في لندن، كان فليمنغ -باعتباره أحد خبراء الصيدلة- يدرس الإنزيمات القادرة على مهاجمة الجدران الخلوية للبكتيريا، ويستخدم المكورات العنقودية لهذا الغرض. واعتاد مغادرة مختبره تاركا إياه في فوضى عارمة. وبعد شهر من الإجازة، وجد أطباق بتري (أطباق اختبار مخصصة لاستنبات واختبار الخلايا) مكدسة في حوض معظمها مغطى بالمكورات العنقودية، ولكنه لاحظ جود مادة تشبه العفن في أحدها، وعلى ما يبدو تثبط نمو البكتيريا.

وكانت الأطباق المعنية ملوثة بسلالات من الفطريات المجهرية التي تسمى "البنسيليوم نوناتوم"، وبعد تفاجئه بهذه الملاحظة زرع فليمنغ العفن في محلول، ولاحظ أنه يمكن استنساخ خصائصه المضادة للبكتيريا، وأطلق على المضاد الحيوي المشتق من العفن اسم البنسلين.

نحو عمليات الإنتاج الضخمة

في 13 فبراير/شباط 1929، قدم فليمنغ نتائج بحثه إلى نادي البحوث الطبية، الذي قوبل بنوع من اللامبالاة، ثم نشر مقالا في 10 مايو/أيار في المجلة البريطانية لعلم الأمراض التجريبية من دون أن يلاحظه أحد.

في عام 1938، استأنف عالم الأمراض الإنجليزي هوارد فلوري والخبير في الكيمياء الحيوية الألماني إرنست تشين أبحاثه. وفي عام 1940، نجحوا في عزل البنسلين وتنقيته، لكن الكميات التي تحصلوا عليها كانت ضئيلة، ولم تكن كافية لتوفير ألفي لتر من العفن النقي اللازم لعلاج مريض.

لجأ فلوري إلى شركات الأدوية في المملكة المتحدة لمساعدته على إنتاج البنسلين بكميات كبيرة، لكن طلبه قوبل بالرفض. في ذلك الوقت، كانت البلاد تعاني من أهوال الحرب العالمية الثانية؛ لذلك قرر الذهاب إلى الولايات المتحدة في يونيو/حزيران 1941، هناك نجح في إقناع مختبر بحوث في بيوريا بإلينوي بتوسيع نطاق البنسيليوم، وإبراز مدى أهمية هذه المادة لشركات تصنيع الأدوية مثل شركة "ميرك آند كو"، و"فايزر"، و"بريستول-مايرز سكويب". ومع دخول الولايات المتحدة الحرب عام 1941، أصبح البنسلين أولوية وطنية.

في عام 1945، تم تصنيع أكثر من 600 مليار جرعة من البنسلين من قبل شركات صناعة الأدوية، مما أدى إلى إنقاذ آلاف الأرواح.

الليثيوم.. العلاج الخارق لمرضى ثنائي القطب

أحدثت مادة الليثيوم ثورة في حياة ملايين الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الصحة العقلية، ونأت بهم عن اللجوء إلى الأدوية المصنعة.

وفي تقريرها الذي نشرته صحيفة "لوتون" السويسرية، قالت الكاتبة كاترين فرامري إن مرض ثنائي القطب، أو ما كان يعرف قديما "بمرض الاكتئاب الهوسي"، يصيب ما بين 1 و2.5% من سكان العالم.

مكتشف دور الليثيوم في علاج هذا المرض كان الطبيب النفسي الأسترالي جون كيد، الذي ولد عام 1912، وهو نجل طبيب نفسي لديه معرفة عميقة بالاضطرابات النفسية، خاصة أنه في ذلك الوقت كان المعالجون يعيشون بالقرب من مرضاهم.  ودعم فكرة أن الدماغ -كغيره من الأعضاء الأخرى- يمكن أن يتعرض لأمراض يمكنه الشفاء منها.

خلال الحرب العالمية الثانية، تم اعتقال كيد لأكثر من 3 سنوات في معسكر أسرى الحرب الياباني في شانغي في سنغافورة. وتم تكليفه بقسم الطب النفسي، حيث بدأ في ملاحظة العلاقة الحاسمة بين بعض أوجه القصور الغذائي والأمراض في زملائه السجناء، وذلك وفقا لموقع نيتشر (nature).

من جهتها، قالت الكاتبة فرامري أن جون كيد لاحظ أن تركيز حمض اليوريك في بول الأشخاص المصابين بمرض عقلي مختلف، وافترض وجود صلة بين الحالة العقلية والتغيرات البيولوجية أو العضوية. وهي مقاربة تناقض تماما الفكرة التي تفسر الاكتئاب على أنه غضب، يسلطه الشخص على نفسه وترجئ سبب الاضطرابات النفسية إلى نقص التعليم.

وعندما عاد إلى أستراليا، انكب الطبيب على العمل، وانفرد بنفسه في قبو في مستشفى بوندورا، وأخذ يجمع عينات بول مرضى الهوس أو الاكتئاب، ويخزنها ثم يقوم بحقن جرعات متزايدة في الهامستر. وكان يجري اختبارات على كربونات الليثيوم، التي اعتمدت منذ القرن 16 لعلاج النقرس.

وتروي زوجته أنه أحس ببهجة عارمة عندما لاحظ أن القوارض الصغيرة أصبحت هادئة، بل وهادئة للغاية. تميز جون كيد بضمير مهني، فقد كان يبتلع الليثيوم لعدة أسابيع للتأكد من أنه غير سام. ثم يقوم باختباره على المرضى. تعافى 5 منهم بشكل مذهل، ولكن مات أحدهم بعد تزويده بجرعات قوية، وأحس حينها كيد بإحباط كبير.

ضبط الجرعات الصحيحة؟

أضافت الكاتبة أن نتائج تجاربه التي نشرت عام 1949 لفتت الأنظار، وتركز البحث على ضبط مقدار الجرعات الصحيحة. في الوقت الحالي، أصبح من الممكن لمريض عقلي أن يستأنف حياته الطبيعية في غضون فترة تتراوح بين 10 و15 يوما من دون اللجوء إلى الصدمات الكهربائية، ولا الجراحة.

 

 

الجزيرة نت

تصفح أيضا...