الطريق إلى كروزني بالشيشان "توثيق لرحلة تحكيم الشعر" ح 9 / الشيخ محمد بن بتار بن الطلبة

ثلاثاء, 10/12/2019 - 16:37

...لم يفتأ الإخوة المعنيون بمرافقتنا يؤكدون  على ضرورة الالتزام بالموعد المحدد للخروج إلى صالة كروزني لحضور الحفل الرئاسي ؛ وهو الساعة السابعة مساء.

بعد فترة قصيرة من الهدوء المُريح تعالت أصوات مكبرات الصوت المثبتة في أجنحة الفندق بطلبات النزول للانتقال إلى مقر الدعوة الرسمية.

أكملتُ الاستعداد بسرعة ونزلت ، فوجدت المكان خاليا إلا من موظفي الفندق وشخصين يجلسان على مقاعد في طرف البهو ، فجلست على أحد المقاعد في انتظار نزول الضيوف ووصول السيارات التي تقلهم ، وقلت محدثا نفسي : عجبا لهؤلاء الضيوف القادمين من دول ذات قَدم في الحضارة والمدنية ، تعرف شعوبها قيمة الوقت ومعنى المواعيد ، وها هم أولاء يتأخرون بعد كل هذه النداءات والتوصيات ، وأحضر أنا وحدي في الموعد مع أنني من شعب لا يزال يحاول التخلص من مظاهر البداوة المتجذرة في سلوك أغلب فئاته.

بعد انتظار وتصويب وإصعاد بين زاوية المصعد الكهربائي وبوابة الفندق تقدمتُ إلى الشخصين اللذين رمقتهما عيناي قبل الجلوس ؛ فإذا هما صحفيان فلسطينيان ، فتاة من قطاع غزة وهي مراسلة قناة العين الإخبارية ، والآخر مصور من الضفة الغربية ، كنت قد رأيتهما من قبل على مائدة الغداء في مطار موسكو.

سألتهما عن السر في خلو الفندق إلى الآن من الحركة رغم أن موعد الخروج قد حان ، فردت علي الأخت الفلسطينية :" الضيوف نزلوا من زمان وركبوا الحافلات وذهبوا"

    رجعت إلى المقعد بعد الإياس ، وأخذت أضرب أخماسا لأسداس ؛ بقيت وحدي هنا ومسطرة مطعم الفندق الليلة خالية من أي نوع من التعامل مع الضيوف ، لأنهم في ضيافة الرئيس  ، فتذكرت هنا دعاء الأستاذ الأديب البارع الذي استكمل ظَرف الشناقطة وأدبهم السيد محمد فال ولد عبد اللطيف ؛ حيث كان ضمن الوفد الموريتاني أيام الإعلان عن مؤسسة الملك محمد السادس ونحن بالمغرب ؛ وقد علمنا أن الإعلان سيكون في الدار البيضاء ، وأن الوفود ستنتقل من فاس إلى هناك عبر الطائرة ، وأشيع أن الضيافة في الفندق في الدار البيضاء يوم واحد فقط ويكون أعضاء الوفد بعد ذلك أحرارا في اختيار أماكن الإقامة ؛ فقال الأستاذ محمد فال :"اللهم لا تَكِلني إلى نفسي طرفة عين"

 ثم إنه تبين أن الأمر على خلاف ما قيل ، حيث أقمنا مكرمين في فندق (golden  فرح) إلى أن خرجنا إلى المطار.

بينما أنا على تلك الحال إذا بشاب -يبدو أنه شيشاني- يشير إلي بالتوجه إلى الباب لنذهب معا ، تبين فيما بعد أنه كلف بمرافقتي للالتحاق بباقي الوفد ، خرجنا إلى الشارع فاستوقف الأخ سيارة وركبنا وانطلقنا على طريق الوفود .

 وصلنا بعد نحو عشر دقائق إلى الصالة التي تبعد عن قلب المدينة نحو كلم . ونزلنا عند بوابة حرم المجمَّع المحروس وذهبنا نحو نصف غلوة في اتجاه الصالة.

دخلت القاعة فوجدت المقاعد٠ مكتظة بالضيوف والمسؤولين ، وبعد إجالة للنظر في أطرافها رأيت مقعدا فارغا على طاولة بجانبي فجلست بإشارة كريمة من الجالسين.

قعدت بجنب شاب مهذب يبدو من هيئته أنه خليجي ، عرَّفني بنفسه فقال إنه دبلوماسي في سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة ، وأن الجالس بجانبه سعادة السفير ، ولم أحتج للتعريف بنفسي لأنني دخلت بالدراعة الموريتانية.

أعجبني سلوك الدبلوماسي وتواضع السفير وأخذنا بأطراف الأحاديث بعض الوقت ، ثم عادت الحديث للجليس الذي كان يحدثهم قبل دخولي ، وهو الرجل الشيشاني المقيم في الأردن ، وقد سبق لنا ذكره وخبر ولده الصغير في محطة مطار موسكو.

   ما إن سكنت حركة العمال الذين يطوفون بالأطباق على حلق المدعوين ، حتى اهتزت القاعة بأصوات الألحان الموسيقية غير التقليدية  المنبعثة من مكبرات للصوت ، مؤذنة ببدء الجزء الثاني من الحفل ، وهو عبارة عن أغاني و"طقوس" شيشانية. 

فتيات متلفعات بمروط في نحو السن العاشرة  يتغنين بأمجاد الأمة الشيشانية وبالدعاء لها أن يقيها الله شر الأعداء ، وبتمجيد صنائع الرئيس الحالي ، والترحم على والده الشهيد أحمد قاديروف رحمه الله ، كان ذلك باللغة العربية الفصحى وباللغة المحلية.

وفتيان  في السن نفسها تقريبا يقومون بأدوار بطولية وحركات غريبة منسجمة في مشهد ملحمي مثير. 

الحقيقة أنني فوجئت شيئا ما عند بداية الجزء الثاني ، لكنني لم أتبين سبيلا للخروج ؛ فجلست ارتكابا لأخف الضررين ، واستأنست بكلمة للعالم العابد الشاعر الكبير الهادي بن بدي رحمه الله تعالى المروية في القصة المشهورة عندنا ، وهي أنه كان في ركب مع أخيه العلامة الشيخ أحمد بن بدي والعلامة الداه بن أحمد فال رحمهما الله تعالى ، فسمعا -على بُعْد- من مُعَرَّسهما صوت مغن يعزف على آلته ؛ فخرج الداه بن أحمد فال مسرعا مبتعدا عن مكان الصوت ، وعند الصباح سأل الشيخين هل سمعا ما سمع البارحة ، فقال الشيخ أحمد بن بدي إنه لم يسمع شيئا ، وقال الهادي :" رحم الله عبدا (يعني نفسه) لم يتحرك وتر إلا عرف مَقامه ومجراه ، وأردف قائلا : هذا شيء حملته لي أذني من غير كسب ولا حول ؛ فلست مخاطبا بصرْفه أوتكلف الابتعاد عنه.

والهادي بن بدي رحمه الله تعالى مشتهر بالعبادة والنسك ، وقد اشتهرت الأبيات التي يتوسل فيها الشيخ سعد أبيه رحمه الله بعبادته ، وقد تكلم هنا بلسان الفقه والأدب معا.

وفي هذه الأثناء غمزني من خلفي الشيخ عثمان عبد الرحيم ، وقال لي عطفا على حديثنا السابق في دار الضيافة بمطار موسكو ، وهو الذي كان يبدي فيه ملاحظة على أساليب عند بعض المفتين الذين يتشددون في الأمور عند ظهورها أولا ، ثم يرخصون فيها بعد ذلك تحت ضغط زمنهم ، قال لي مشيرا إلى المشهد:" ما تقول في هذا ؟ فقلت له : "اكوَيِّس" . فقال لي ": ومن زمانْ كان إيه؟" فقلت له "كانْ حرامْ" هذا طبعا على السبيل المزاح والمطايبة والمجاراة ، وقد قال أبو البركات الغزي في كتابه المِراح في المزاح ، بعد التحذير من مخاطر المزاح " ....فالعاقل يتوخى بمزحه إحدى حالتين : إما إيناس المصاحبين ، والتودد إلى المخاطبين ، وهذا يكون بما أنس من جميل القول ، وبسط من مستحسن الفعل كما قال سعيد بن العاص لابنه : اقتصد في مزحك فإن الإفراط فيه يذهب البهاء ، ويجرئ السفهاء ، وإن التقصير فيه يغض عنك المؤانسين ، ويوحش منك المصاحبين.

وإما أن ينفي بالمزاح ما طرأ عليه من سأم ، أو حدث من سأم ، أو حدث به من هم وغم . فقد قيل : لابد للمصدور أن ينفث 

وأنشد أبو فراس في طرديته :

أُروّح القلب ببعض الهزل

 تجاهلاً منّي بغير جهلِ

 

أَمزح فيه مزحَ أَهل الفَضل

والمزحُ أَحياناً جِلاء العقلِ

 

وأنشد أبو الفتح البستي :

 

أفِد طبعَك المكدودَ بالجِدّ راحةً   

يَجِمَّ وعللّه بشيء من المزحِ 

ولكن إِذا أَعطيتَه المزح فليكن

 بمقدار ما تعطي الطَّعامَ من الملحِ .

 

وقال الابيرد : 

إِذا جدّ عند الجِد أَرضاك جدُّه      وذو باطلٍ إِن شئت أَلهاك باطله

وقال أبو تمام :

 الجِدُّ شيمتُه وفيه فكاهةٌ

 طوراً ولا جِدُّ لمن لم يلعب

 

 وعلى هاتين الحالتين كان مزح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه وتابعيه والعلماء والأئمة" .

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه "إني لاستجِمُّ نفسي بشيء من الباطل كراهة أن أحمِّلها من الحق ما يملها".

 

أما حكم السماع فهو معلوم ، والتفصيل في ضروبه منثور ومنظوم ، وبحث العلماء فيه مشتهر عند العامة والخاصة بين الفقهاء والمحدثين والصوفية.

ولا يخفى ما جرى من نقاش في "خبر المعازف" ، ونهْي الحافظ زين الدين  العراقي في ألفية المصطلح عن الإصغاء فيه لابن حزم.

حيث قال في حكم التعليق من تبصرته:

وإن يكن أول الاسناد حذف   مع صيغة الجزم فتعليقا عرف

 ولو إلى آخره ، أما الذي     لشيخه عزا بـ ( قال ) فكذي

 عنعنة كخبر المعازف        لا تصغ ( لابن حزم ) المخالف

"وقوله : ( كخبر المعازف ) ، هو مثال لما ذكره البخاري عن بعض شيوخه من غير تصريح بالتحديث ، أو الإخبار ، أو ما يقوم مقامه . كقوله : قال هشام بن عمار : حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، حدثنا عطية بن قيس ، قال : حدثني عبد الرحمن بن غنم ، قال : حدثني أبو عامر ، أو أبو مالك الأشعري ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : (( ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والمعازف ، الحديث . فإن هذا الحديث حكمه الاتصال ؛ لأن هشام بن عمار من شيوخ البخاري حدث عنه بأحاديث ، وخالف ابن حزم في ذلك ، فقال في " المحلى " : هذا حديث منقطع لم يتصل ما بين البخاري ، وصدقة بن خالد ، قال : ولا يصح في هذا الباب شيء أبدا . قال : وكل ما فيه فموضوع قال ابن الصلاح: ولا التفات إليه في رده ذلك - قال -: وأخطأ في ذلك من وجوه."

وقد بسط القرطبي القول في أمر السماع عند الكلام على الآية : {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين}

وقد قلتُ في معين السالك عطفا على المحرمات :

 

كذا سماع آلة اللهو وما

من الغناء قد حوى محرَّما

 

إلا أننا في الواقع لم نكن في مجلس سماع بالمعنى المصطلح عليه عند أربابه ، بل كنا أمام استعراض فني لألوان من تراث وتقاليد دولة مسلمة مضيفة على وجه الإكرام ، فلا يحسن بالضائف الإعراض عن تكرمة المَضيف ، ما لم ير مُحرَّما مجمعا عليه، كما أنه لم يُعرض عما وُضع أمامه من صنوف الأطعمة والأشربة.

اكتملت أجزاء الدعوة الرسمية ، وبذلك تمت المهمة ؛ فرجعنا إلى الفندق ، وأخذنا في الاستعداد لرحلة العودة إلى الأوطان.

أعجبني تواضع الشعب الشيشاني بجميع طبقاته ومستوياته وكرمه وتمسكه بالإسلام وحبه لأهل العلم والأدب وتطلعه لدراسة اللغة العربية.

كان يمر من حولنا رجال نظنهم أشخاصا عاديين ، ثم نلاحظ من خلال تعامل مواطنيهم معهم أنهم من كبار رجال الدولة ، وحدثني أحد المرافقين أنه رأى رجلا شيشانيا يحمل أمتعة لأحد الضيوف ، فسأل عنه ، فإذا هو وزير المالية!.

وقد رأيت الرئيس رمضان قديروف يتعامل مع من حوله من المسؤولين وكأنهم إخوان وأصدقاء.

رجعتُ  إلى الفندق ، وأخذت في ترتيب أمور السفر والتمهيد لوداع مدينة اكروزني الجميلة وبدء رحلة العودة إلى الوطن عبر محطاتها الأربع....

تصفح أيضا...