ختام حديث الرّدة "10 نقاط رداً على جميل منصور" / محمدن الرباني

سبت, 22/02/2020 - 09:27

بعد تقديم رجل وتأخير أخرى لم أجدا بدا من التعليق على ما تفضل به الأستاذ محمد جميل منصور تعليقا على بعض الردود على مقاله حول الردة، ذلك أن إطالة السجال قد تفهم على غير المبتغى، لذلك ستكون هذه الحروف آخر ما أعلق به في موضوع الردة. 

١- لم أومئ إلى أن الطبري رجح القول بنسخ آية "لا إكراه في الدين" وإنما قلت إنه نسبه لبعض أهل العلم، وقلت إن أقوال أهل العلم فيها دائرة بين النسخ والتخصيص، وهما مناقضان للقول بالعموم، وأضيف الآن أن اختيار الطبري التخصيص وهذا نص كلامه: "وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في خاص من الناس- وقال: عنى بقوله تعالى ذكره:" لا إكراه في الدين"، أهل الكتابين والمجوس وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه، وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخا" (تفسير الطبري: ج5، ص 407)

٢- يجب أن نفرق بين الاستدلال بنص وتنزيله على واقع، فإن العلماء لم يستدلوا على وجوب حد الردة بآية " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} لأنها لا تفيده،  بل إنهم نزلوها على واقع وفسروها به، فإنه لما وقعت الردة وقاتل فيها أبو بكر ومن معه من قاتلوا من المرتدين قال المفسرون بأن ما حدث تفسير للآية، وأنها من علامات النبوة لأنها أخبرت بأمر غيبي. فإنه حين ارتد قوم جاء الله بأبي بكر ومن معه، وهذا معنى كلام د.يوسف القرضاوي : " وهذا يدل على أن الله هيأ للمرتدين من يقاومهم من المؤمنين المجاهدين الذين وصفهم الله بما وصفهم به مثل أبي بكر والمؤمنين معه الذين أنقذوا الإسلام من فتنة الردة " فإن القرضاوي لو أراد الاستدلال لقال كلف ولم يقل هيأ فالأولى أمر شرعي والثانية فعل قدري. ولأهل العلم دقة في التعبير توقع غيرهم في اللبس.

٣- أما ما نسب لابن عاشور فلا يكفي في رده القول بأنه غير مقنع دون بيان وجه القادح فيه، فالأحكام الانطباعية متجاوزة في النقد الأدبي، فكيف بالبحث العلمي؟

   إن الاستنباط المذكور منسجم مع لغة العرب فإن العطف بالفاء للترتيب باتصال، بعكس العطف بثم التي للترتيب بانفصال، قال ابن مالك في الخلاصة:

والفاء للترتيب باتصال – وثم للترتيب بانفصال

فالآية عطفت الموت على الردة بالفاء إشارة إلى اتصاله به.

٤- لعل الأستاذ جميل لم يقرأ مقال "حول موضوع الردة" جيدا فقد توقف المقال عند المعنى الموضوعي الذي أوضحه  الأستاذ عندما أشار إلى نوع الصفة التي صدر بها الحديث أهي صفة النبوة والتبليغ أم صفة الإمامة والسياسة، فقد أشرت إلى أن عمل الصحابة، الذين لم يثبت عنهم ترك مرتد ثبتت ردته، دال على أنهم فهموا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل المرتد تشريعا بصفة النبوة، إذ لو فهموه سياسة شرعية منه بوصفه إماما، لثبت عنهم حالات من العفو عن المرتدين، وهو ما لم يثبت.

 ٥- القول إن ابن حزم لا يجازف في النقل مبالغة، ولو علم المحدثون ذلك لعدوا المحلى من كتب الصحاح، فإنه إنما سمي محلى لتحليته بالآثار، لكن منها الصحيح المخرج في الصحيحين او أحدهما، ومنها ما لا يصلح للاحتجاج، أما ما روى بالسند المتصل عن عمر بن عبد العزيز فيشهد لنا  "اسأله عن شرائع الإسلام فإن كان قد عرفها فاعرض عليه الإسلام فإن أبى فاضرب عنقه" فهذا مذهبنا، وقوله "وإن كان لم يعرفها فغلظ عليه الجزية ودعه" فهو اعتبار منه أنه جاهل بحكم الردة ومعذور في جهله به وتلك السنة في إعذار حديث العهد بالإسلام بالجهل.

 أما الرواية عن عمر بن عبد العزيز التي فيها مجاهيل (وحدثني قوم) فيكفي أن فيها مجاهيل، ويكفي في ردها معارضتها لفتواه المتقدمة في معرفة شرائع الإسلام.

 اما قوله ويروى هذا القول عن عمر ابن الخطاب، فصيغة التمريض لا تصلح للاستشهاد.

٦- لو سلمنا –جدلا على الوجه الذي يريد الأستاذ- ألا إشكال في العلاقة بين روايات حديث " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث  فإن ذلك لا يغير من الحكم شيئا إذ الدليل قائم بغيره من الأحاديث الأخرى التي ذكرت، أما الراجح فهو أن بعض رواة حديث عائشة أخطأ في زيادة القيد لأنه روي عن عائشة وعن غيرها من الصحابة بدونها، وحديث عثمان في أبي داود على شرط الشيخين. وليس هذا من مواضع حمل المطلق على المقيد كما هو مقرر في علم الأصول.

٧- التحقيب التاريخي استقراء مستنده الجمع بين الأدلة، وإذا تعارضت الأدلة فمذهب أهل العلم الحكم بالراجح وتأويل المرجوح، وقد قسم علماء الأصول التأويل إلى ثلاثة أقسام:

- تأويل قريب صحيح وهو: حمل اللفظ على الاحتمال غير المتبادر للذهن بدليل قوي يقتضي ذلك. فهذا يكون لازما عند تعارض الأدلة.

- تأويل بعيد فاسد وهو: حمل اللفظ على الاحتمال غير المتبادر للذهن بدليل ضعيف لا يقوى على صرف اللفظ عن ظاهره.

- لعب وهو ما لا وجه له بأي حال كتأويل البقرة بعائشة رضي الله عنها وقريب منه بعض القراءات الحداثية لبعض النصوص.

فالعلماء يمارسون التأويل الصحيح القريب، وينكرون الفاسد البعيد، ويحاربون اللعب.

  وبهذا يتبين ان الاتهام بإنكار التأويل مطلقا ومخرجاته، ليس بأنهض من تهمة جفاء الحرية والتشدد، واحتكار التعبير عن المرجعية.

 والدعاوي ما لم تقيموا عليها ...

٨- وجه التعارض بين ما نسب لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الموطأ وما في مصنف عبد الرزاق، ان ما في الموطأ دال على أنه إنما أنكر عدم الاستتابة المؤقتة بثلاثة أيام ومن يرى وجوب الاستتابة لا يرى هدر الدم قبلها، لأن المرتد يمكن أن يراجع إسلامه فيبقى معصوم الدم، بخلاف ما في المصنف فظاهره السجن فقط، وعند التعارض لا مناص من إلغاء أحد النقلين أو تأويله.

وهكذا الوجه في نقل مذهب النخعي فإن الروايات متعارضة عنه، وترجيح رواية موافقة الإجماع أولى لأنها الأصل، ومقتضى حسن الظن.

وعموما فإنه لا يثبت عن أحد من السلف بوجه لا مطعن فيه ولا اضطراب فيه عدم القول بحد الردة، أما التأسي بروايات عن شخص معارضة بروايات عنه فهو ضرب من تلبيس إبليس، إذ تتبع غرائب الفتوى وتتبع ما تشابه في النصوص يخرجان من مشكاة واحدة.

٩- موضوع الأحناف مقدوح فيه بقادح النقض، إذ القول بأن العلة عندهم في قتل المرتد الصلاحية للقتال منتقض بالشيخ العاجز، والأعمى والزمن ونحوهما إذا ارتدوا فإنهم لا يصلحون للحرب، ومع هذا فإنه يقتل من ارتد منهم عند الحنفية.

١٠- ما دامت الردة ليست حرية، بل جرما من اشنع انواع الجرم فما الثمرة من كل هذا التجشم؟

تصفح أيضا...