ردٌّ على ردِّ جميل منصور / د. عبد الرحمن اجَّاه أبُّوه

جمعة, 21/02/2020 - 20:31

قرأت رد الأستاذ محمد جميل منصور؛ ولي عليه الملاحظات التالية:

1_ ذكر الأستاذ أنه "لا علاقة للملاحظة المتعلقة بعدم ذكر القرآن للعقوبة الدنيوية بالموقف من السنة مصدرا للتشريع؛ فلو لم تكن كذلك لما نوقشت نصوصها في الموضوع فالنبي _صلى الله عليه وسلم _ لا ينطق عن الهوى، وسنته المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله، صحيح أن المبالغة بنسخ السنة للقرآن مجازفة..."

 ثم قال: " لم أعتبر هذه الملاحظة كافية أو حتى دليلا عند أصحاب الرأي الذي له حظ من النظر بل هي مؤشر وداعم في أعلى مستوياتها".

هذا اعتراف من الأستاذ أن هذا الاستدلال الذي افتتح به ما سماه معتمدات الرأي الذي "له حظ من النظر" غير معتمد، بل ليس دليلا أصلا وإنما هو مؤشر في أعلى مستوياته.

وذلك يكفي في بيان سقوط الاحتجاج به.

لم أقل إطلاقا إن الأستاذ محمد جميل منصور لا يرى حجية السنة؛ _ فلازم القول لا أعده قولا، والأستاذ صرح بأنه لا ينكر حجية السنة_، وإنما بينت خطورة هذا النوع من الاستدلال(الاستدلال على عدم شرعية مسألة ما بكونها لم ترد في كتاب الله)؛ لما يلزم منه، ولما يفتح من أبواب الشر، والخطأ في الاستدلال أشد خطورة لأنه خطأ في المنهج الذي هو الأصل والأساس والمنطلق، ولا يضاهي الخطأ فيه الخطأ في التطبيق، الذي هو خطأ في تحقيق المناط، وتنزيل الأحكام على الوقائع.

 

2_  عدم إقامة الحد لعدم توفر شروط إقامته، أو لوجود مانع يمنع إقامته، لا يمكن إطلاقا أن يستدل به على عدم شرعية الحد أصلا، وحد الردة لا يختلف في ذلك عن بقية الحدود والأحكام الشرعية، هذا هو مقتضى ما رددتُ به على استدلال الأستاذ محمد جميل منصور بأنه: "توجد أحاديث صحيحة أوردت خبر ردة واقعة دون أن تكون موضوعا لعقاب"؛ فبينت له أن تلك وقائع أعيان، ووقائع الأعيان لا تعم ولا يستشهد بها، وحتى لو سلم أن بعضها فيه ردة صريحة؛ فإنها لا يمكن أن يحتج بها؛ لاحتمال أن يكون المانع من تطبيق الحد فيها عدم توفر الشروط، أو وجود الموانع،

وما ذكرتُ من احتمال أن الأعرابي إنما طلب السماح له بالخروج من المدينة المنورة، وما ورد في قصة المتنصر من الهروب، ومن أنه لم يلبث أن قصم الله عنقه؛ يبين ذلك ويوضح ما تقرر في الأصول من أن وقائع الأعيان لا تعم ولا يستشهد بها، ولمزيد من البيان نأخذ عدم قتل النبي _صلى الله عليه وسلم _  للمنافقين مع أنهم مرتدون بدون شك، مما جعل بعض منكري حد الردة "يحتج بالمنافقين"!

صحيح أنه _صلى الله عليه وسلم _ لم يطبق حد الردة في المنافقين، ولكنه لم يطبقه فيهم لعدم توفر شروط تطبيقه، لأنهم كانوا يظهرون الإسلام، وعندما يظهر منهم ما يدل على الكفر يعلنون التوبة، ويبادرون بالاعتذار وطلب الصفح؛ صحيح أن الله _عز وجل _ أطلع النبي _ صلى الله عليه وسلم _ على حقيقتهم، ولكن القاضي لا يحكم بعلمه، وأحكام الشريعة إنما تبنى على الظاهر، والله يتولى السرائر؛ فلم يمكن تطبيق الحد عليهم؛ لعدم توفر شروط إقامته، هذا بالإضافة إلى وجود أسباب وموانع أخرى؛ وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر:

"وإنما لم يقتل النبي _صلى الله عليه وسلم_المنافقين للتألف، ولأنه لو قتلهم لقتلهم بعلمه؛ فلا يؤمن أن يقول قائل: إنما قتلهم لمعنى آخر، ومن حجة من استتابهم(يعني الزنادقة) قوله تعالى: {اتخذوا أيمانهم جنة}، فدل على أن إظهار الإيمان يحصن من القتل، وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر، والله يتولى السرائر، وقد قال _صلى الله عليه و سلم _ لأسامة: (هلا شققت عن قلبه) وقال للذي ساره في قتل رجل: (أليس يصلي قال نعم، قال أولئك الذين نهيت عن قتلهم).". (12/273).

فكيف يمكن أن يحتج بعدم قتلهم على إسقاط حد الردة؟!

لم يحتج الأستاذ محمد جميل منصور بعدم قتل المنافقين؛ وإنما سقته لبيان أن وقائع الأعيان لا يستشهد بها. 

لذلك فالمثالان اللذان أخذت للتمثيل لما تقرر في الأصول من أن وقائع الأعيان لا تعم ولا يستشهد بها، لسقوط الاستدلال بها لتطرق الاحتمال إليها، إنما ذكرتهما للتمثيل للقاعدة المعلومة:

والشأن لا يعترض المثال 

                  إذ قد كفى الفرض والاحتمال  

 فالمثالان اللذان ساق الأستاذ لو ثبت أن ما وقع فيهما ردة صريحة لما قامت بهما الحجة؛ لأنهما واقعتا عين.

 

3_  فاجأني قول الأستاذ محمد جميل منصور :

"فيما يتعلق بما نسب لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب _رضي  الله عنه _، لا داعي للمقارنة بين ما جاء في الموطأ أو التمهيد أو البيهقي أو عبد الرزاق من حيث التقديم والتأخير ودرجات الصحة مما يترتب على اختيار أو إسقاط، فهي تتكامل وتأتي كل منها بما يشرح الأخرى، وبالمناسبة لا ذكر للقتل فيها رغم إشارة الإعذار في التمهيد"!

وما فاجأني هو جزم الأستاذ محمد جميل منصور بعدم ذكر قتل المرتد في روايات أثر أمير المؤمنين عمر _رضي الله عنه _، رغم أن الرواية معروفة مشهورة، وقد أوردتها في مقالي الذي أشار إليه!

فقد ذكرت فيه بالحرف:

"وروى ابن أبي شيبة: 

عن ابن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال : "لما قدم على عمر فتح تستر - وتستر من أرض البصرة - سألهم : هل من مغربة، قالوا : رجل من المسلمين لحق بالمشركين فأخذناه، قال : ما صنعتم به ؟ قالوا : قتلناه، قال : أفلا أدخلتموه بيتا وأغلقتم عليه بابا وأطعمتموه كل يوم رغيفا ثم استتبتموه ثلاثا، فإن تاب وإلا قتلتموه، ثم قال : اللهم لم أشهد ولم آمر ولم أرض إذ بلغني - أو قال: حين بلغني".(مصنف ابن أبي شيبة 10/137)"

فكيف للأستاذ الباحث أن يجزم بعدم وجود الرواية المصرحة بقتل المرتد ؟!

 

4_ ركز الأستاذ في رده وفي مقاله الأصلي على تفنيد كون أحاديث الردة ناسخة لآية: {لا إكراه في الدين}.

نسلم أن دعوى نسخها ضعيفة، ولكن ذلك لا يجدي؛ فالآية عامة خصصتها الأحاديث الصحيحة الدالة على قتل المرتد، وليس في ذلك ما يستغرب؛ فدلالة العام على أفراده ظنية.

ونفي الإكراه في الآية ليس على إطلاق؛ إذ ورد الإكراه في مسائل، نكتفي منها بوجوب جلد الزانية والزاني ولو كانت الفاحشة برضى الطرفين، و"اختيارهما الحر"؛ لقوله سبحانه تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}.

 

5_ قول الحافظ ابن حجر:

"... وعن النخعي يستتاب أبدا كما نقل عنه مطلقا، والتحقيق أنه فيمن تكررت منه الردة"، لا يدل على صحة نسبة القول بالاستتابة أبدا للنخعي؛ وإنما يدل على أن هذا القول روي عنه، ويؤكد ذلك قوله: "كما نقل عنه"؛ والإمام ابن حجر نفسه جزم بأن الإمام النخعي صح عنه القول بقتل المرتدة التي اختلف في قتلها؛ فما بالك بالمرتد؟!

ثم إن الاستتابة أبدا لا تصح عنه، كما بين الإمام الحافظ البيهقي، وهو من هو في معرفة الحديث وعلم رجاله؟!

فهل من العلمية أن يجعل لازم قول -لم يصح عن الإمام النخعي، بل صح عنه التصريح بنقيضه- قولا له؟!

 

6_ كون القول بعدم قتل المرتدة ليس خاصا بالحنفية، بل وافقهم عليه بعض العلماء، لا يضيف شيئا؛ لأن الحنفية وغيرهم متفقون على قتل المرتد لصحة الأحاديث الدالة على قتله، التي طبقها الصحابة، والمسلمون خلفا عن سلف، قبل ظهور العصريين المنبهرين بالليبرالية الغربية!

 

7_ لم أقل إن الأستاذ محمد جميل منصور تحدث عن حرية الردة، ولا عن جوازها؛ ولكنني بينت حال الأسس والمعتمدات التي قدم دعما لرأي منكري حد الردة، بما أظهر أنها أسس ضعيفة، وأن الرأي المبني عليها رأي ضعيف ليس له حظ من النظر.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

تصفح أيضا...