سيارات SG.. التكييف الفقهي، والرأي الشرعي / د. أبو سهلة سيد احمد

جمعة, 24/01/2020 - 13:38

سيارات الدولة التي تمنحها لبعض الموظفين والتي اصْطُلح عليها باسم SG إشارة إلى الحرف الموجود في اللوحة ـ ولعل ذلك من باب تسمية الشيء باسم محله أو باسم بعضه ـ هذه السيارات لم أُسأل عنها ولم أر من تطرق لنمط استمعالها من جهة المستفيد شرعا.

 فارتأيت أن أعطي رأيا فقهيا فيها ينطلق - وفق الصناعة الفقهية ـ  من مقدمتين: مقدمة تحقيق المناط: التكييف، ومقدمة الحكم التي تحكم على ذلك المناط، فأقول: 

إن نمط استغلال هذه السيارات من جهة المستفيد يتنازعه منزعان فقهيان:

المنزع الأول أن هذه السيارات وقف من الدولة على موظفيها طيلة بقائهم في وظائفهم أو طيلة ما أرادت هي بقاءها عندهم، ومن المعروف أن الوقف لا يشترط فيه التأبيد كما نص عليه خليل في مختصره بقوله: "ولا يشترط التنجيز ..ولاالتأبيد" أي ولا يشترط التأبيد في الوقف فيصح وقف سيارة أو بقرة على شخص لمدة شهر أو سنة ثم ترجع ملكا للواقف، كما أنه لا يضر في الوقف جهل المدة الواقع في الوظيفة لأن عقود التبرعات لا يضر فيها الغرر ولا الجهالة عكس المعاوضات كما هو مقرر في القاعدة الفقهية التي أشار إليها لمرابط محمد الأمين ولد أحمد زيدان بقوله: 

وكلما جاز بغير عوض 

فجوز الغرر فيه إن رُضي.

وإذا كان هذا التكييف الفقهي لا مانع منه فإن نمط الاستعمال من قبل الموظف يكون كاستعمال الموقوف عليه للوقف فلا يستعمل هذه استعمالا يضربها، ولكن يجوز له أن ينتفع بها هو وغيره انتفاعا مباحا كأن يحمل فيها أهله معه أو يذهب فيها بأولاده إلى المدرسة ونحو ذلك من كل استعمال للوقف يبيحه الشرع بأن كان لا ضرر فيه على الشيء الموقوف.

فهو فيه مالك منفعة، فكما يجوز للموقوف عليه أن يهب لبن بقرة الوقف لجاره أو قريبه أو يعطيه من لبنها، كذلك يجوز له أن يحمل معه في السيارة الوقفية قريبا أو أخا أو زميلا في العمل أو غيره...ولذلك عرف ابن عرفة الوقف بأنه: "إعطاء منفعة شيء مدة وجوده".

وما دام ملكه له ملك منفعة لا انتفاع فإنه يجوز له هبة هذه المنفعة أو إعارتها أو إشراك غيره معه فيها، طالما لم يكن هناك نص من الواقف ـ الدولة ـ يقيد هذا التصرف أو يمنعه، وإلا لزم الوفاء به والانصياع له لقوله تعالى:

"يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"وقوله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون عند شروطهم".

وقد أشار خليل في مختصره إلى لزوم اتباع شرط الواقف بقوله: "واتبع شرطه إن جاز".

فإذا حجرت الدولة على موظفيها في استعمال هذه السيارات فلا يجوز لهم استعمالها إلا فيما أذنت فيه نصا أو عرفا.

المنزع الثاني أن هذه السيارات تدخل فيما يسميه الفقهاء بملك الانتفاع أو حق الانتفاع ، وهنا تضيق دائرة الاستعمال لهذه السيارات، ذلك أن مالك الانتفاع يختلف عن مالك المنفعة في كون الانتفاع قاصرا عليه لا يتعداه بخلاف مالك المنفعة، ولعل هذا هو السر في تسمية الأول بمالك المنفعة وتسمية الثاني بمالك الانتفاع.

فالأول مالك يتصرف في المنفعة تصرف الملاك، والثاني مستحق للانتفاع، ولكنه لا يملك أن يهبه أو يؤجره لغيره ولهذا يطلق عليه حق الاختصاص.

فملك المنفعة إذن أعم من ملك الانتفاع؛ يقول الإمام القرافي:

(فتمليك الانتفاع نريد به أن يباشر هو بنفسه فقط وتمليك المنفعة هو أعم وأشمل فيباشر بنفسه ويمكن غيره من الانتفاع بعوض كالإجارة وبغير عوض كالعارية...).

ومما يجعل هذه السيارات أقرب إلى ملك الانتفاع  منها إلى الوقف أنها تعطى بالوصف ـ الوظيفة: الوزير، الأمين العام، المدير... ـ لا بالشخص: فلان أو علان..

يقول العدوي في حاشيته على الخرشي: (...واعلم أن الخلو من ملك المنفعة لا من ملك الانتفاع إذ مالك الانتفاع ينتفع بنفسه فقط ولا يؤجر ولا يوهب ولا يعير ؛ومالك المنفعة له تلك الثلاثة مع انتفاعه بنفسه والفرق بينهما أن مالك الانتفاع يقصد ذاته مع وصفه كإمام وخطيب ومدرس وقف عليه بالوصف المذكور بخلاف مالك المنفعة فإنما يقصد به الانتفاع بالذات أي منتفع كمستعير لم يمنع من إعارته ثم إن من ملك الانتفاع وأراد أن ينفع به غيره فإنه يسقط حقه منه ويأخذه الغير على أنه من أهله حيث كان من أهله).

ومع تضييق الفقهاء لنطاق ملك الانتفاع إلا أنهم سمحوا بما جرت العادة بأن يتسامح فيه من إعارة وحمل في سيارة ونحو ذلك، قال ابن رجب الحنبلي في قواعده: (..وأما ملك الانتفاع وحقوق الاختصاص سوى البضع وحقوق التملك فهل يصح نقل الحق فيها أم لا؟ إن كانت لازمة جاز النقل لمن يقوم مقامه فيها بغير عوض وفي جوازه بعوض خلاف..).

ويقول الحافظ السيوطي الشافعي في الأشباه والنظائر: (وكل من ملك المنفعة، فله الإجارة، والإعارة، ومن ملك الانتفاع، فليس له الإجارة قطعا، ولا الإعارة في الأصح...).

ولعل السيوطي هنا تبع الكرخي حين اعتبر المستعير مالك انتفاع لا منفعة وهو خلاف رأي الأحناف والمالكية.

ويقول ابن نجيم الحنفي في قواعده: (...والشافعية جعلوا لذلك أصلا وهو: أن من ملك المنفعة ملك الإجارة والإعارة، ومن ملك الانتفاع ملك الإعارة لا الإجارة، ويجعلون المستعير والموصى له بالمنفعة مالكا للانتفاع فقط، وهذا يتخرج على قول الكرخي من أن الإعارة إباحة المنافع لا تمليكها والمذهب عندنا أنها تمليك المنافع بغير عوض، فهي كالإجارة تملك المنافع، وإنما لا يملك المستعير الإجارة لأنه ملك المنفعة بغير عوض فلا يملك أن يملكها بعوض، ولأنه لو ملك الإجارة لملك أكثر مما ملك، فإنه ملك المنفعة بلا عوض فيملكها نظير ملكه، ولأنه لو ملكها للزم أحد الأمرين غير الجائزين: لزوم العارية أو عدم لزوم الإجارة.

وهذان التعليلان يشملان الموقوف عليه والمستعير وهما سواء على الراجح، فيملك الموقوف عليه السكنى المنفعة كالمستعير، وقيل: إنما أبيح له الانتفاع، وهو ضعيف كان له الإعارة).

وهذا الكلام عند تأمله غاية في النفاسة، وبه يتبين الفرق بين المستعير والموقوف عليهم من جهة والمستأجر من جهة أخرى حيث أبيح أخذ العوض للمستأجر دون غيره لأنه لما ملك المنفعة بعوض فارق من ملك المنفعة أو استحق الانتفاع دون عوض، وبه يعلم أن سيارات SG لا يجوز كراؤها وإن جاز الانتفاع بها.

وقد تعتبر سيارات SG من الإقطاع المؤقت من قبل الإمام وعليه يتنزل قول السيوطي في الأشباه والنظائر: (...قال العلائي: ومن ذلك أيضا: الإقطاع " على الرأي المختار " فإن المقطع له لم يملك إلا أن ينتفع، بدليل الاسترجاع منه، متى شاء الإمام، فليس له الإجارة، إلا أن يأذن له الإمام أو يستقر العرف بذلك. كما في الإقطاعات بديار مصر. قال: وهذا هو الذي كان يفتي به شيخنا برهان الدين، وكمال الدين، وهو اختيار شيخهما تاج الدين الفزاري. والذي أفتى به النووي: صحة إجارة الإقطاع...).

والخلاصة:

 أن هذا هو الفرق بين ملك المنفعة وحق الانتفاع  من ناحية الصناعة الفقهية، وأن نطاق الاستعمال والاستفادة أوسع في ملك المنفعة ـ التي تعتبر هذه السيارات منه بناء على المنزع الأول ـ من ملك الانتفاع الذي تعتبر هذه السيارات منه أيضا على المنزع الثاني، 

ومن المعروف في أصول الفقه أن الفرع إذا تردد بين  أصلين ألحق بأيهما أكثر شبها به كما نص عليه إمام الحرمين الجويني وغيره.

والظاهر لي  أن هذه السيارات أشبه بملك الانتفاع منها بالوقف.

غير أن المانح ـ الدولة أو غيرها ـ يجوز له تضييق ملك المنفعة وتوسيع ملك الانتفاع بحيث يجعله كملك المنفعة، وهذا ما أومأ إليه القرافي في الفروق  مع تفصيل بديع قائلا:

(إذا وقف وقفا على أن يسكن أو على السكنى ولم يزد على ذلك فظاهر اللفظ يقتضي أن الواقف إنما ملك الموقوف عليه الانتفاع بالسكنى دون المنفعة فليس له أن يؤاجر غيره ولا يسكنه وكذلك إذا صدرت صيغة تحتمل تمليك الانتفاع أو تمليك المنفعة وشككنا في تناولها للمنفعة قصرنا الوقف على أدنى الرتب وهي تمليك الانتفاع دون تمليك المنفعة فإن قال في لفظ الوقف ينتفع بالعين الموقوفة بجميع أنواع الانتفاع فهذا تصريح بتمليك المنفعة أو يحصل من القرائن ما يقوم مقام هذا التصريح من الأمور العادية أو الحالية فإنا نقضي بمقتضى تلك القرائن ومتى حصل الشك وجب القصر على أدنى الرتب لأن القاعدة أن الأصل بقاء الأملاك على ملك أربابها والنقل والانتقال على خلاف الأصل فمتى شككنا في رتب الانتقال حملنا على أدنى الرتب استصحابا للأصل في الملك السابق وعلى هذه القاعدة مسائل في المذهب.

 فرع مرتب حيث قلنا إن الملك إنما يتناول الانتفاع دون المنفعة فقد يستثنى من ذلك تسويغ الانتفاع لغير المالك في المدة اليسيرة كأهل المدارس والربط فإنه يجوز لهم إنزال الضيف المدة اليسيرة لأن العادة جرت بذلك فدلت العادة على أن الواقف يسمح في ذلك بخلاف المدة لكثيرة لا تجوز فلا يجوز لأحد أن يسكن بيتا من المدرسة دائما ولا مدة طويلة فإن العادة جرت في ذلك بتمليك الانتفاع لا بتمليك المنفعة.

وكذلك لو عمد أحد لإيجار بيت المدرسة؛ من الناس من أنكر ذلك عليه فدل ذلك على أنه إنما يملك الانتفاع دون المنفعة ومن هذا الباب لو جعل بيتا في المدرسة لخزن القمح أو غيره دائما أو المدة الطويلة امتنع أيضا لأن العادة شهدت وألفاظ الواقفين على أن البيوت وقف على السكنى فقط فإن وضع فيها ما يخزن الزمان اليسير جاز كإنزال الضيف...) إلى آخر كلامه الماتع.

فإذن سيارات SG وما في معناها من سيارات الشركات يجوز استعمالها فيما لا يضر من توصيل أهل أو إعارة خفيفة، ولا يجوز تأجيرها؛ ولا إعارتها إعارة كثيرة؛ وهذا كله ما لم يكن هناك نص ملزم أو عرف مبيّن من الدولة أو الشركة وإلا لزم الوفاء به ومنعت الزيادة عليه، والله تعالى أعلم.

#التراث_الفقهي_جميل والشريعة لا تضيق ذرعا بأي جديد.

تصفح أيضا...