دموع البحر / خالد الفاضل

جمعة, 06/12/2019 - 07:54

حكى لي أحدهم والعهدة عليه طبعا؛ بأن عمالا من ذوي البشرة الصفراء(صينيون) سكنوا في العاصمة؛ فأجروا منزلا يأويهم. فقاموا بنصب ألواح شمسية على سطحه للحصول على الطاقة والتخلص من غلاء فواتير الكهرباء وانقطاعها، ثم حفروا بئرا داخل فناء المنزل حتى عثروا على الماء الذي كانوا يعالجونه بماكينة للتصفية جلبوها معهم، بالنسبة للطعام كانت لديهم أفخاخا ومادة شديدة الفعالية يضعونها فوق سطح المنزل تجتذب لهم القطط السائبة فيأكلونها. وبهذا لا ينعشون اقتصاد الدولة التي يعيشون فيها. من منكم سبق له أن شاهد صينيا يشتري اللحم والسكر من إحدى البقالات؟ كما قص علي صديق آخر؛ أن صديقا له جاء ورشة تعليب اللبن من أجل شراء بعضه للبناء، فوجد داخله صينية تتناول فطورا يتكون من الذباب المغموس في زيت لونه أصفر. طبعا لدى الصين حضارة عريقة نحترمها ونحترم طريقتهم في التعامل مع الطبيعة، وليس أمامنا إلا احترامهم؛ فهم مليار و 300 مليون نسمة أما نحن فمجرد 4 ملايين نسمة جلها عاطل عن العمل أو يعيش تحت خط الفساد. لكن عمالهم الذين يأتون إلى هنا عيشتهم لا تبشر بأن شاطئنا البالغ طوله 754 كلم والذي سيمارسون فيه الصيد لمدة 25 عاما مع غموض الاتفاقيات والوسائل سيكون بخير. كما أنهم لا يوظفون إلا برواتب زهيدة ومن دون حقوق؛ حدثني عن ذلك أحد العمال السابقين كنت تناولت معه الشاي والحساء في إحدى ليالي كانصدو الباردة؛ وحدثني كيف استوعب الصينيون الفساد داخل أعماق السلطة بسرعة وباتوا لا يدفعون الضرائب إلا لماما نتيجة للأشياء التي يلفونها في جيوب نافذين يصنعون سياستنا منذ سنوات طويلة؛ ونصفهم جهارا نهارا بالأطر؛ طبعا والعهدة على العامل السابق. أما أنا فلست ضليعا للغاية بقطاع الصيد البحري وليست لدي رخصة؛ ولا أتناول السمك إلا لماما لبعدي عن البحر الذي أحبه كثيرا.. 

من جهة أخرى؛ حدثني مهندس بحري بأن الأتراك أيضا لا يقلون خطورة عن الصينيين في شفط السمك من قاع المحيط، وحسب محلل بريئ جدا؛ صرح بأن السبب وراء إطالة مسلسل "قيامة أرطغل" الجميل هو أن ننسى ما يحدث في محيطنا من دراما حزينة أبطالها الأتراك. وأننا إذا لم نتدارك البحر فإنه سيتحول مع رومانسية الأتراك إلى شواطئ لا تفرز إلا أمواجا من الدموع تتكسر تحت أقدام الصيادين التقليدين وهم يتهامسون قرب زوارقهم الفارغة إلا من رائحة علب السردين الصدئة.  

تداركوا بحركم قبل أن يتحول مع الصينيين لمسبح كبير لا يصلح إلا للعوم والاستجمام ومسابقات الأولمبياد في السباحة الحرة.

هناك جبل ضخم من الفساد في هذه البلاد؛ والمواطنون يختبئون في كهوفه المعتمة طمعا وخوفا. عندما يحارب الفساد بشكل جدي في هذه الأرض؛ قليلون سيخرجون أبرياء. أنا سأدخل السجن بتهمة التسرب المدرسي كما أنني سأحاكم بتهمة الهروب في شهر الاستقلال. قبيل محاربة الفساد إن كان سيحارب حقا على كل المواطنين أن يصرحوا بممتلكاتهم؛ من أين تم اكتسابها؟ وكيف تم ذلك بالضبط؟

على الرئيس أن يخبرنا من أين له بسيارة (V8) قبل أن يصبح رئيسا؟ كيف كان يدخر راتبه ليشتريها؟

على الرئيس السابق أن يخبرنا كيف بنى منزله الجميل في أعالي صكوكو وأشياء أخرى؟

على أهل صكوكو وسانترومتير أن يخبرونا كيف شيدوا منازلهم الجميلة والرائعة؟

على الفقهاء أن يخبرونا كيف يجنون المال دون أن نرى لبعضهم عملا يدويا أو مكتبيا واضحا؟

على المثقف أن يخبرنا أيضا كيف يوفر ثمن القهوة كل مساء؟ وكيف يسافر حول العالم؟ ويدفع إيجار شقته؟

على المدون أيضا أن يخبرنا كيف يعيل نفسه؟ وماهي المهنة التي يزاولها بالضبط؟

على المواقع الاخبارية أن تخبرنا عن ماهية دخلها؟

على عمال الدولة أن يخبرونا كيف أصبحوا أثرياء بكل هذه السرعة؟

على الشعراء والكتاب أن يخبرونا لماذا لا يكتبون غالبا عن الفقر وهو من أكثر الأشياء في بلادنا؟ من يشتري لهم الورود الذي يكتبون عنها؟

طبعا هذه أسئلة طفولية؛ لكنها بريئة!. عندما هربت من التعليم كان البعض يسألني عندما يلتقيني صدفة أو عن طريق المراسلة هل أنت جاد حقا فيما فعلت، كنت أظنك تمزح فقط! وهو ما جعلني أجد جوابا على سؤال كانت الإجابة عليه تؤرقني؛ لماذا مع كل هذا الوعي الذي بتنا نراه في مواقع التواصل الاجتماعي لا نرى مطلقا قطار الوعي يتحرك واقعيا وينعكس على الشفافية؟ الحقيقة المرة أن ما نراه في ظاهر الأمور ليس متطابقا مع ما يحدث من وراء الكواليس. نحن نعاني من التناقض وقلة الوضوح وهذه مشكلة عويصة، وأعرف جيدا أنكم فهمتم ما أقصده. أعتقد أن الأبرياء يصعب عليهم تماما العيش في وسط بهذا الغموض والتناقض. أعتقد بأن كل الأمور في موريتانيا في غياب صحافة استقصائية جادة ونقاش صريح وجريئ لن تتضح إلا يوم القيامة.

تصفح أيضا...